ولكن هل هذه هي أدوات المعرفة الوحيدة التي يملكها الإنسان؟ وكيف سنحدّد موقفنا من أفكار المثاليين والماديين إذا كانت سبل المعرفة مغلقة إلا عن طريق العقل والحواس والغرائز، وهي كما تبيّن لنا لم توصل الفلاسفة الذين سبقونا إلى الحقيقة، فكيف ستوصلنا نحن؟. ألا يصبح البحث عن الحقيقة إذا كنا لا نملك غير هذه الأدوات المعرفية عبثًا، وتضيِّيعًا للوقت والجهد؟. منذ القديم وصَّل بعض الناس إلى اليأس من الوصول إلى الحقيقة اليقينية، فكانت النتيجة أن"جاء السوفسطائيون فاحترفوا الجدل والخطابة، وجعلوا من الفلسفة ضربًا من التلاعب اللفظي الذي يعين صاحبه على تأييد القول الواحد ونقيضه على السواء. ولم تلبث النزعة الشكية أن تطرقت إلى الفلسفة على يد بروتاغوراس وجورجياس، فشاع القول بالنسبية، وفقد الكثيرون إيمانهم بالحقيقة المطلقة، وأصبح هدف الفلسفة هو الجدل لمجرّد الجدل، لا لطلب الحق أو إصابة اليقين" (1) . وسوف يسعى سقراط ومن بعده تلميذه أفلاطون لتطهير الفلسفة مما أصابها من شبهات وانحراف. وسوف تصبح الفلسفة على يد أفلاطون موجهة لمعرفة"المثل"أو الماهيات"الفلسفة عند أفلاطون هي اكتساب العلم، وموضوع العلم هو الوجود الحقيقي الثابت الضروري، لا الأشياء المحسوسة التي لا تكف عن التغيُّر، ولا تنطوي على أية حقيقة أو ثبات" (2) . ورغم أن الفلسفة ستستقطب مفكرين كبارًا من أرسطو وهيغل وغيرهم، إلا أنها ستظل تعاني من العجز عن البرهان على صحة ما تقوله وتردده عمَّا وراء الطبيعة سواء بالنسبة للمثاليين أو الماديين. وسيدفع هذا الإحباط والعجز بعض الفلاسفة إلى الدعوة للتخلّي عن الخوض في مسائل ما وراء الطبيعة، والاعتراف بعجز العقل عن الوصول إلى المعرفة في هذا المجال.