فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 598

ولهذا فإن أي نقص في الحواس سيؤدي حكمًا إلى نقص في معلومات العقل، فالأعمى لا يستطيع أن ينقل إلى عقله أي معلومات عن الألوان وصور الجمال، وإن كان العقل قادرًا على إدراكها كمعانٍ مجرّدة عن المواد. فالحواس كما إنها بمنزلة الرسل التي تنقل المعلومات إلى العقل، فإنها أيضًا أدوات البرهان على ما يفكر فيه العقل، فهم الشهود على الحقائق، التي لا يستطيع العقل دونها أن يتأكد من صحة ما حكم به. إنها محكمة الإنسان القاضي وشهود الحق، لأنهم لا يشهدون إلا بالحق، وعلى القاضي ـ العقل ـ أن يستخلص النتائج.

ولكن هل هذه هي الحواس الإنسانية، أم إن الغرائز هي من جملة الحواس التي تقوم بإبلاغ العقل عن حاجات الجسم ورغباته. فإذا كانت الحواس تقف في منطقة وسطى بيننا وبين العالم الخارجي، فإن الغرائز تقف في المنطقة الوسطى بين العقل وعالمنا الداخلي، فتنقل إليه حاجاتنا إلى الطعام والجنس، وكل الحاجات البيولوجية والرغبات التي تساعد الجسم على العمل، أو تحقق له الراحة والسعادة. ولكن الغرائز ليست كالحواس التي تكتفي بنقل المعلومات للعقل، فهذه تضغط لتحقيق رغباتها كما في حالة الجوع والجنس، ولا يهمها من أين سيُقدّم لها العقل ما ترغب فيه من حلال أو حرام، لأنها لا تدرك إلا الرغبة. إلا أن العقل هو الذي سيختار الطرق المناسبة لتحقيق رغبات الغرائز. فهو الحاكم المطلق عليها، والذي لا ينازعه في حكمه منازع.

إننا بهذا العرض المبسَّط لعالم الإنسان. سنكون قد عرفنا مصدر كل معرفة عقلية إنسانية، ولمن يجب أن تنسب. لعالم العقل المجرّد، أم لعالم العقل المبرهن عليه بشهادة الحواس، أم لحاجة الغرائز. وعلى ضوء هذا الفهم فإننا نستطيع أن نستنتج بأن للإنسان ثلاث مرجعيات تصدر عنها جميع أحكامه وتصرفاته. وهي:

1 ـ مرجعية عقلية نظرية، نفكر بواسطتها، ونتأمّل ونحكم بالعقل على تصرفاتنا وأفكارنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت