بَعْدَ الوقوف على مذاهب الأصوليِّين الثلاثة المشهورة في وصْف المَعاني بالعموم أرى: أنّ المذهب الأول النافي لِوصف المَعاني بالعموم لم تَسلَم حُجّته مِن المناقَشة ، وكذلك المذهب الثالث الذي يرى وصْفها بالعموم مَجازًا لا حقيقةً ، ولِذا كان هذان المذهبان مستبعَديْن مِن الترجيح ، ويصبح المذهب الثاني القائل بوصف المَعاني بالعموم حقيقةً هو الأَوْلى بالقبول والترجيح ، وهو ما اختاره ابن الحاجب .
وأُعضِّد ترجيحي: بما ذكَره الزركشي في هذا المقام:"أنّه ( أي العموم ) يعرض لها ( أي المَعاني ) كما يعرض لِلّفظ ، كما يَصِحّ في الألفاظ شمول أمْر لِمُتَعدِّد يَصِحّ في المَعاني شمول معنى لِمعاني متعدِّدة بالحقيقة فيهما .."
وقال القاضي عبد الوهاب (2) :"مراد قائله: حَمْل الكلام على عموم الخطاب وإنْ لم يَكُنْ هناك صيغة تَعمّها: كقوله تعالى حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ"
(1) يُراجَع: الإحكام لِلآمدي 2/184 ، 185 وتشنيف المسامع 1/327 ونهاية السول 2/77 ، 78 وأصول الفقه لِلشيخ زهير 2/197 ، 198
(2) القاضي عبد الوهاب: هو عبد الوهاب بن علِيّ بن نصْر بن أحمد بن الحسين بن هارون ابن مالك بن طوق الثعلبي البغدادي ، الفقيه المالكي ..
مِن مصنَّفاته: المعونة بمذهب عالِم المدينة ، شرْح المدوَّنة ، التلقين .
تُوُفِّي سَنَة 422 هـ .
شذرات الذهب 3/233 وشجرة النور الزكية /103
الْمَيْتَة (1) أيْ نَفْس المَيْتَة وعيْنها لَمّا لمْ يَصِحّ تَناوُل التحريم لها عمَّمْنا بالتحريم جميع التصرف فيها مِن الأكل والبيع واللبس وسائر أنواع الانتفاع وإنْ لم يَكُنْ لِلأحكام ذِكْرٌ في التحريم لا بعموم ولا بخصوص" (2) ا.هـ ."
(1) سورة المائدة مِن الآية 3
(2) تشنيف المسامع 1/327
المطلب الرابع
مدلول العامّ ودلالته ومعياره
أوّلًا: مدلول العامّ