وَالسُّنَنِ وَالْأَحْكَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَمُسَمَّى الْإِيمَانِ وَالدِّينِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لَيْسَ هُوَ مُسَمَّاهُ فِي آخِرِ زَمَانِ النُّبُوَّةِ ؛ بَلْ مُسَمَّاهُ فِي الْآخِرِ أَكْمَلُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } وَقَالَ فِي السُّورَةِ: { وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد كَانَ بَدْءُ الْإِيمَانِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ نَاقِصًا فَجَعَلَ يَتِمُّ وَهَكَذَا مُسَمَّى الْإِيمَانِ وَالدِّينِ قَدْ شُرِعَ فِي حَقِّ الْأَشْخَاصِ بِحَسَبِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ كُلًّا مِنْهُمْ وَبِحَسَبِ مَا فَعَلَهُ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ . وَلِهَذَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الْأَوَّلِينَ والآخرين ؛ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُشْتَرِكِينَ فِي الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ . مَعَ أَنَّ الْيَهُودَ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِقْرَارُ بِمَا لَا يَجِبُ عَلَيْنَا الْإِقْرَارُ بِهِ ؛ مِثْلُ إقْرَارِهِمْ بِوَاجِبَاتِ التَّوْرَاةِ وبمحرماتها مِثْلِ السَّبْتِ وَشَحْمِ الثَّرْبِ وَالْكُلْيَتَيْنِ . وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ التَّصْدِيقُ الْمُفَصَّلُ بِمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَصِفَاتِ الْيَوْمِ الْآخِرِ . وَنَحْنُ يَجِبُ عَلَيْنَا مِنْ الْإِيمَانِ بِذَلِكَ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ وَيَجِبُ عَلَيْنَا مِنْ الْإِقْرَارِ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَحَجِّ الْبَيْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ دَاخِلٌ فِي إيمَانِنَا وَلَيْسَ دَاخِلًا فِي إيمَانِهِمْ ؛ فَإِنَّ الْإِقْرَارَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ دَاخِلٌ فِي الْإِيمَانِ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ . وَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِأَعْيَانِ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ الْإِقْرَارُ بِأَعْيَانِهِمْ دَاخِلًا فِي إيمَانِ مَنْ قَبْلَنَا وَنَحْنُ إنَّمَا يَدْخُلُ فِي إيمَانِنَا الْإِقْرَارُ بِهِمْ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ . وَالْمُنَازِعُونَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْإِيمَانُ فِي الشَّرْعِ مُبْقًى عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي اللُّغَةِ ؛ وَهُوَ التَّصْدِيقُ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ مَنْقُولٌ إلَى مَعْنًى آخَرَ . وَهُوَ أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ . وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَقَدْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَنْقُولٌ كَالْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ: مِنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ . وَقَدْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ مَتْرُوكٌ عَلَى مَا كَانَ وَزَادَتْ عَلَيْهِ الشَّرِيعَةُ أَشْيَاءَ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى أَصْلِهِ مِنْ التَّصْدِيقِ مَعَ دُخُولِ الْأَعْمَالِ فِيهِ فَإِنَّ الْأَعْمَالَ دَاخِلَةٌ فِي التَّصْدِيقِ فَالْمُؤْمِنُ يُصَدِّقُ قَوْلَهُ بِعَمَلِهِ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَيْسَ الْإِيمَانُ بِالتَّمَنِّي وَلَا بِالتَّحَلِّي ؛ وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ وَصَدَّقَهُ الْعَمَلُ . وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ } ". وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ الْإِيمَانُ فِي اللُّغَةِ هُوَ التَّصْدِيقَ ؛ بَلْ هُوَ الْإِقْرَارُ وَهُوَ فِي الشَّرْعِ الْإِقْرَارُ أَيْضًا وَالْإِقْرَارُ يَتَنَاوَلُ الْقَوْلَ وَالْعَمَلَ . وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ ذَلِكَ فَقَدْ بَسَطْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَإِذَا عُرِفَ مُسَمَّى الْإِيمَانِ فَعِنْدَ ذِكْرِ اسْتِحْقَاقِ الْجَنَّةِ وَالنَّجَاةِ مِنْ النَّارِ وَذَمَّ مَنْ تَرَكَ بَعْضَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ - يُرَادُ بِهِ الْإِيمَانُ الْوَاجِبُ كَقَوْلِهِ: { إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } وَقَوْلِهِ { إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا } الْآيَةَ . وَقَوْلِهِ: { إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ } . وَقَوْلِهِ فِي الْجَنَّةِ: { أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ } . وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ"