فَمَنْ قَالَ: إنَّ الْقُرْآنَ مَحْفُوظٌ كَمَا أَنَّ اللَّهَ مَعْلُومٌ وَهُوَ مَتْلُوٌّ كَمَا أَنَّ اللَّهَ مَذْكُورٌ وَمَكْتُوبٌ كَمَا أَنَّ الرَّسُولَ مَكْتُوبٌ فَقَدْ أَخْطَأَ الْقِيَاسَ وَالتَّمْثِيلَ بِدَرَجَتَيْنِ: فَإِنَّهُ جَعَلَ وُجُودَ الْمَوْجُودَاتِ الْقَائِمَةِ بِأَنْفُسِهَا بِمَنْزِلَةِ وُجُودِ الْعِبَارَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُطَابِقِ لَهَا وَالْمُسْلِمُونَ يَعْلَمُونَ الْفَرْقَ بَيْنَ قَوْله تَعَالَى { إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ } { فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ } وَبَيْنَ قَوْله تَعَالَى { وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ } . فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَ مُحَمَّدٍ: لَا لَفْظُهُ وَلَا جَمِيعُ مَعَانِيهِ وَلَكِنْ أَنْزَلَ اللَّهَ ذِكْرَهُ وَالْخَبَرَ عَنْهُ كَمَا أَنْزَلَ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ وَالْخَبَرَ عَنْهُ فَذِكْرُ الْقُرْآنِ فِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ كَمَا أَنَّ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ فِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ وَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ . فَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ مَعْلُومٌ بِالْقُلُوبِ مَذْكُورٌ بِالْأَلْسُنِ مَكْتُوبٌ فِي الْمُصْحَفِ كَمَا أَنَّ الْقُرْآنَ مَعْلُومٌ لِمَنْ قَبْلَنَا مَذْكُورٌ لَهُمْ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُمْ وَإِنَّمَا ذَاكَ ذِكْرُهُ وَالْخَبَرُ عَنْهُ وَأَمَّا نَحْنُ فَنَفْسُ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ إلَيْنَا وَنَفْسُ الْقُرْآنِ مَكْتُوبٌ فِي مَصَاحِفِنَا كَمَا أَنَّ نَفْسَ الْقُرْآنِ فِي الْكِتَابِ الْمَكْنُونِ وَهُوَ فِي الصُّحُفِ الْمُطَهَّرَةِ . وَلِهَذَا يَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْله تَعَالَى { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ } وَبَيْنَ قَوْله تَعَالَى { وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ } { فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ } فَإِنَّ الْأَعْمَالَ فِي الزُّبُرِ كَالرَّسُولِ وَكَالْقُرْآنِ فِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ وَأَمَّا"الْكِتَابُ الْمَسْطُورُ فِي الرَّقِّ الْمَنْشُورِ"فَهُوَ كَمَا يُكْتَبُ الْكَلَامُ نَفْسُهُ وَالصَّحِيفَةُ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا ؟ وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَلَهُ"أَرْبَعُ مَرَاتِبَ"فِي الْوُجُودِ: وُجُودٌ فِي الْأَعْيَانِ وَوُجُودٌ فِي الْأَذْهَانِ: وَوُجُودٌ فِي اللِّسَانِ وَوُجُودٌ فِي الْبَنَانِ: وُجُودٌ عَيْنِيٌّ وَعِلْمِيٌّ وَلَفْظِيٌّ وَرَسْمِيٌّ . وَلِهَذَا كَانَ أَوَّلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } وَذَكَرَ فِيهَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُعْطِي الْوُجُودَيْنِ فَقَالَ: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } { خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ } فَهَذَا الْوُجُودُ الْعَيْنِيُّ ثُمَّ قَالَ: { اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ } { الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ } { عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } فَذَكَرَ أَنَّهُ أَعْطَى الْوُجُودَ الْعِلْمِيَّ الذِّهْنِيَّ وَذَكَرَ التَّعْلِيمَ بِالْقَلَمِ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِتَعْلِيمِ اللَّفْظِ وَالْعِبَارَةِ وَتَعْلِيمُ اللَّفْظِ وَالْعِبَارَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَعْلِيمِ الْمَعْنَى فَدَلَّ بِذِكْرِهِ آخِرَ الْمَرَاتِبِ عَلَى أَوَّلِهَا [ لِأَنَّهُ ] لَوْ ذَكَرَ أَوَّلَهَا أَوْ أَطْلَقَ التَّعْلِيمَ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ وَالِاسْتِغْرَاقِ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْقُرْآنُ كَلَامٌ وَالْكَلَامُ لَهُ"الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ"لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَرَقِ مَرْتَبَةٌ أُخْرَى مُتَوَسِّطَةٌ ؛ بَلْ نَفْسُ الْكَلَامِ يَثْبُتُ فِي الْكِتَابِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ } { فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ } وَقَالَ تَعَالَى: { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ } { فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } وَقَالَ: { يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً } { فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ } وَقَالَ: { كَلَّا إنَّهَا تَذْكِرَةٌ } { فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ } { فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ } { مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ } وَقَالَ: { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ } . وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ مَكْتُوبٌ فِيهَا كَمَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ: إنَّهُ فِيهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَالطُّورِ } { وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ } { فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ } وَأَمَّا الرَّبُّ سُبْحَانَهُ أَوْ رَسُولُهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْيَانِ فَإِنَّمَا فِي الصُّحُفِ اسْمُهُ وَهُوَ مِنْ الْكَلَامِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ: { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ } وَإِنَّمَا فِي التَّوْرَاةِ كِتَابَتُهُ وَذِكْرُهُ وَصِفَتُهُ وَاسْمُهُ وَهِيَ"الْمَرْتَبَةُ"