أَوْقَعَ الْجُهَّالَ مِنْهُمْ وَالْكَاذِبِينَ عَلَيْهِمْ فِي نَقْلِهِمْ عَنْهُمْ: أَنَّ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ وَالْمِدَادَ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ قَدِيمٌ وَأَنَّ الْحُرُوفَ الَّتِي هِيَ كَلَامُ اللَّهِ هِيَ الْمِدَادُ وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ ؛ بَلْ أَنْكَرُوهُ ؛ كَمَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ الْكَلِمَاتِ وَالْمِدَادِ فِي قَوْلِهِ: { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } فَإِنَّ هَؤُلَاءِ غَلِطُوا"غَلَطَيْنِ"غَلِطَا فِي مَذْهَبِهِمْ وَغَلِطَا فِي الشَّرِيعَةِ . أَمَّا الْغَلَطُ فِي"تَصْوِيرِ مَذْهَبِهِمْ"فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولُوا: إنَّ الْقُرْآنَ فِي الْمُصْحَفِ مِثْلُ مَا أَنَّ الْعِلْمَ وَالْمَعَانِيَ فِي الْوَرَقِ فَكَمَا يُقَالُ: الْعِلْمُ فِي هَذَا الْكِتَابِ يُقَالُ: الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَهُمْ هُوَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالذَّاتِ فَيُصَوِّرُ لَهُ الْمِثْلَ بِالْعِلْمِ الْقَائِمِ بِالذَّاتِ لَا بِالذَّاتِ نَفْسِهَا . وَأَمَّا الْغَلَطُ فِي"الشَّرِيعَةِ"فَيُقَالُ لَهُمْ: إنَّ الْقُرْآنَ فِي الْمَصَاحِفِ مِثْلُ مَا أَنَّ اسْمَ اللَّهِ فِي الْمَصَاحِفِ ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامٌ: فَهُوَ مَحْفُوظٌ بِالْقُلُوبِ كَمَا يُحْفَظُ الْكَلَامُ بِالْقُلُوبِ وَهُوَ مَذْكُورٌ بِالْأَلْسِنَةِ كَمَا يُذْكَرُ الْكَلَامُ بِالْأَلْسِنَةِ وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي الْمَصَاحِفِ وَالْأَوْرَاقِ كَمَا أَنَّ الْكَلَامَ يُكْتَبُ فِي الْمَصَاحِفِ وَالْأَوْرَاقِ وَالْكَلَامُ الَّذِي هُوَ اللَّفْظُ يُطَابِقُ الْمَعْنَى وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَالْمَعْنَى يُطَابِقُ الْحَقَائِقَ الْمَوْجُودَةَ .