لَيْسَ هُوَ الْمَخْلُوقَ ؛ بَلْ فِعْلُهُ الْقَائِمُ بِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَذُكِرَ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ الخزاعي: أَنَّ الْفِعْلَ مِنْ لَوَازِمِ الْحَيَاةِ وَأَنَّ الْحَيَّ لَا يَكُونُ إلَّا فَعَّالًا . إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي تَدُلُّ عَلَى عِلْمِهِ وَعِلْمِ السَّلَفِ بِالْحَقِّ الْمُوَافِقِ لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ وَصَرِيحِ الْمَعْقُولِ . وَذَكَرَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ طَائِفَتَيْ"اللَّفْظِيَّةِ الْمُثْبِتَةِ وَالنَّافِيَةِ"تَنْتَحِلُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَّ أَحْمَد بْنَ حَنْبَلٍ كَثِيرٌ مِمَّا يُنْقَلُ عَنْهُ كَذِبٌ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا بَعْضَ كَلَامِهِ لِدِقَّتِهِ وَغُمُوضِهِ وَأَنَّ الَّذِي قَالَهُ وَقَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد هُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ . وَرَأَيْت بِخَطِّ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى ظَهْرِ"كِتَابِ الْعُدَّةِ"بِخَطِّهِ قَالَ: نَقَلْت مِنْ آخِرِ"كِتَابِ الرِّسَالَةِ"لِلْبُخَارِيِّ فِي أَنَّ الْقِرَاءَةَ غَيْرُ الْمَقْرُوءِ . وَقَالَ: وَقَعَ عِنْدِي عَنْ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ عَلَى اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ وَجْهًا كُلُّهَا يُخَالِفُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ قَالَ مَا سَمِعْت عَالِمًا يَقُولُ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ قَالَ وَافْتَرَقَ أَصْحَابُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ عَلَى نَحْوٍ مَنْ خَمْسِينَ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ قَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ"اللَّفْظِيُّ"الَّذِي يَقُولُ: الْقُرْآنُ بِأَلْفَاظِنَا مَخْلُوقٌ . وَكَانَ"أَيْضًا"قَدْ نَبَغَ فِي أَوَاخِرَ عَصْرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الكلابية وَنَحْوِهِمْ - أَتْبَاعِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ الْبَصْرِيِّ: الَّذِي صَنَّفَ مُصَنِّفَاتٍ رَدَّ فِيهَا عَلَى الجهمية وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ مِنْ مُتَكَلِّمَةِ الصفاتية وَطَرِيقَتُهُ يَمِيلُ فِيهَا إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ ؛ لَكِنْ فِيهَا نَوْعٌ مِنْ الْبِدْعَةِ ؛ لِكَوْنِهِ أَثْبَتَ قِيَامَ الصِّفَاتِ بِذَاتِ اللَّهِ وَلَمْ يُثْبِتْ قِيَامَ الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِذَاتِهِ ؛ وَلَكِنْ لَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى الجهمية - نفاة الصِّفَاتِ وَالْعُلُوِّ - مِنْ الدَّلَائِلِ وَالْحُجَجِ وَبَسْطِ الْقَوْلِ مَا بَيَّنَ بِهِ فَضْلَهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَإِفْسَادَهُ لِمَذَاهِبِ نفاة الصِّفَات بِأَنْوَاعِ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَالْخِطَابِ وَصَارَ مَا ذَكَرَهُ مَعُونَةً وَنَصِيرًا وَتَخْلِيصًا مِنْ شُبَهِهِمْ لِكَثِيرِ مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ حَتَّى صَارَ قُدْوَةً وَإِمَامًا لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ مِنْ هَذَا الصِّنْفِ الَّذِينَ أَثْبَتُوا الصِّفَاتِ وَنَاقَضُوا نُفَاتهَا ؛ وَإِنْ كَانُوا قَدْ شَرِكُوهُمْ فِي بَعْضِ أُصُولِهِمْ الْفَاسِدَةِ: الَّتِي أَوْجَبَتْ فَسَادَ بَعْضِ مَا قَالُوهُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ وَمُخَالَفَتِهِ لِسُنَّةِ الرَّسُولِ . وَكَانَ مِمَّنْ اتَّبَعَهُ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيَّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ القلانسي ثُمَّ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ الطبري وَأَبُو الْعَبَّاسِ الضبعي وَأَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ البستي وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ: الْمُثْبِتِينَ لِلصِّفَاتِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ الْمُتَلَقِّبِينَ بِنُظَّارِ أَهْلِ الْحَدِيثِ . وَسَلَكَ طَرِيقَةَ ابْنِ كُلَّابٍ - فِي الْفَرْقِ بَيْنَ"الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ"كَالْحَيَاةِ وَ"الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ"وَأَنَّ الرَّبَّ يَقُومُ بِهِ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي - كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ: مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: كَالتَّمِيمِيِّينَ أَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ وَابْنِهِ أَبِي الْفَضْلِ التَّمِيمِيِّ وَابْنِ ابْنِهِ رِزْقِ اللَّهِ التَّمِيمِيِّ وَعَلَى عَقِيدَةِ الْفَضْلِ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهَا عَقِيدَةَ أَحْمَد اعْتَمَدَ أَبُو بَكْرٍ البيهقي فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ مَنَاقِبِ أَحْمَد مِنْ الِاعْتِقَادِ . وَكَذَلِكَ سَلَكَ طَرِيقَةَ ابْنِ كُلَّابٍ هَذِهِ أَبُو الْحَسَنُ بْنُ سَالِمٍ وَأَتْبَاعُهُ"السالمية"وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَأَتْبَاعُهُ: كَابْنِ عَقِيلٍ وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ الزاغوني وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْمَعَالِي الجويني وَأَبِي الْوَلِيدِ الباجي وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرِهِمْ ؛ لَكِنَّهُمْ افْتَرَقُوا فِي الْقُرْآنِ وَفِي بَعْضِ