فتقدم الجار والمجرور (مِنا) على الصفة (واحدًا) لإفادة التخصيص وهذا المعنى ملازم أبدًا للتقديم (1) ، فقد خص المشركون أنفسهم بالتعجب والإنكار لأنهم بنوا كفرهم على أن من كان مثلهم بشرًا ، لم يكن بمثابة أن يُتبع وَيُطاع وينتهي الى أن يُأمر ويُصدق أنه مَبعوث من ألله تعالى ، وأنهم مأمورون بطاعته ، وقد أكدَ هذا المعنى مجيء همزة الاستفهام للإنكارلأنها دخلت على الاسم (2) ثم تعجبوا من إلقاء الوحي عليه خاصة من دونهم (3) فحقق هذا الأسلوب الخاص عدولًا كان له (( من الحُسن والمزية والفخامة ما تعلم أنه لا يكون لو أُخر ) ) (4)
وقد يتقدم الظرف على العدد، قال تعالى: { وبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًَا شِدادًا } (النبأ:12) ، فقد قدم الظرف (( فوقكم ) )لإختصاصه بالبناء لأنه سبحانه وتعالى قصدَ بهِ السقف (( إذ كانت العرب تسمي سقوف البيوت وهي سماؤها بناء وكانت السماء للأرض سقفًا ) ) (5) أما الآلوسي فقد جعل (( تقديم الظرف على المفعول للتشويق إليه مع رعاية الفواصل ) ) (6)
وتتقدم متعلقات الفعل عليه ، ومنها قوله تعالى: { في سِلْسِلَةٍ ذرعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًَا فأَسْلُكوهُ } ? (الحاقة:32) ، فالغاية من تقديم السلسلة وأوصافها الاختصاص (( لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة ، كأنها أفظع من سائر مواضع الإرهاق في الجحيم ) ) (7)
(1) ينظر البلاغة العربية في ثوبها الجديد:150/170
(2) ينظر التركيب النحوية من الوجهة البلاغية:147، والبلاغة العربية (تأصيل وتجديد) : 32
(3) ينظر تفسير القرآن العظيم: 4/265
(4) من بلاغة القرآن:113
(5) جامع البيان عن تأويل آي القرآن:30/4
(6) روح المعاني:30/9
(7) الكشاف: 4/608
الفصل الأول ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ