الفصل الأول ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولذا فيقدم ما حقه التأخير لأنه هو الأبلغ ليظهر دقائق فنية لا يستقيم المعنى والنظم بدونها وهو تقديم المسند على المسند إليه كتقديم الخبر على المبتدأ كما هو الحال في قوله تعالى: { هو الذَّي أَخْرجَ الذّينَ ظَلمُوا مِنْ ديَارِهم لأوُّل الحَشْرِ ما ظَنَنتُم أنْ يخرجُوا وظَنُّوا أنَّهم مانَعَتهُم حصُونَهم مِن الله } (الحشر:2) ، فقد أدى تقديم الخبر (ما نَعَتهُم) ،على المبتدأ (حصونهم) (( وظيفته الأسلوبية في تأكيد فرط أعتقاد اليهود في حصانة هذه الحصون ) ) (1) وظنهم هذا جاء من أنهم أخرجوا وحشروا في أول مرة ،و (( نبه بلفظ(أول) على أنه لم يصبهم جلاءٌ قبله )) (2) فالتقديم ساعدَ على إثراء المعنى وإبراز دلالة العدد في السياق.
ومنه تقديم المسند اليه على المسند في الجمل الفعلية كتقديم الفاعل على الفعل، كقوله تعالى: { وإنْ أحَدٌ مِنَ الُمشْرِكينَ أسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتى يَسْمعَ كَلامَ الله ثُمَ أبلِغهُ مأمَنَهُ ذَلِكَ بأَنَّهُمْ قَومٌ لاَيَعْلمُونَ } ? (التوبة:6) ، فتقديم الفاعل (( أحدٌ ) )على الفعل (( أستجارك ) ) (( للأهتمام بالمسند اليه ، ليكون أول ما يقرع السمع فيقع المسند بعد ذلك من نفس السامع موقع التمكن ـ - فضلًا عن ـ تأكيد بذل الأمان لمن يسأله من المشركين إذا كان للقائه النبي( - صلى الله عليه وسلم - ) ودخول بلاد الأسلام مصلحة )) (3) .
ومن أكثر أنواع التقديم شيوعًا في آيات العدد هو تقديم شبه الجملة (الجار والمجرور والظرف) على العدد ، بحيث يشكل مهيمنًا أسلوبيًا فيها، يقول تعالى: { فإن يَكُن مِنْكُم مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوامِائَتَيِن وِإنْ يَكُن مِنْكُم أَلفٌ َيغْلِبُوا أَلفَيْنِ بإذْنِ الله والله مَعَ الصَّابِرينَ } (الأنفال:66) (4) .