إذًا فالتقديم والتأخير أسلوب لغوي أرتبط بالتحول الذي أخذَ شكلًا ـ موضعيًا ـ في حدود الدال صياغيًا في حركةٍ أفقية ينتقل فيها الدال من موضعهِ الأصلي الى موضعٍ طارئ أو يأخذ ثباتًا في موضعهِ الأصلي،حيث تدور مجموعة سياقات التقديم على إعتبارات يعودُ بعضها الى المبدع وحركتهِ الذهنية ويعود بعضها الأخر إلى المتلقي وأحتياجاتهِ الدلالية ويذهب البعض المتبقي للصياغةِ ذاتها على معنى أنه من طبيعتها المثالية (1) 0
والتقديم يكون على وجهين:ـ (2)
الأول - تقديم على نية التأخير.
والأخر- تقديم ليس على نية التأخير، ولكن ينقل الشيء من حكم إلى حكم بحيث يجعل في باب غير بابهِ وإعراب غير إعرابه .
إن تقديم جزء من الكلام أو تأخيره لا يَرد أعتباطًا في نظم الكلام وتأليفه لأن جميع الألفاظ من حيث هي ألفاظ تشترك في درجة الأعتبار ، هذا بعد مراعاة ما تجب له الصدارة في الكلام كأدوات الشرط و الأستفهام ، وإذا كان من الجائز أن يتقدم بعض أجزاء الجملة على بعضها فقد حرصت الجملة في القرآن الكريم على ان يكون هذا التقديم عملًا مقصودًا بعينهِ دالًا على مغزى محدد ، مفصحًا عن سرٍ من أسرارهِ ،ليس بالإمكان أن يحل تعبير آخر محله ، لأنه سبيل ناجح الى نقل المعاني في ألفاظها الى المخاطبين كما هي مرتبة في ذهن المتكلم حسب أهميتها عنده ، فيكون الأسلوب صورة صادقة لإحساس المتكلم ، وصدق مشاعرهِ (3) .
وعند النظر قي آيات العدد في القرآن الكريم نجد فيها أن أسلوب التقديم والتأخير جاء بأشكال عدة وصيغ مختلفة وكثيرة، ليؤدي معنىً محددًا يحقق بوساطتهِ سموًا في أسلوب التعبير القرآني ضمن السياق الذي جاء فيه هذا العدول.
(1) ينظر البلاغة العربية قراءة أُخرى:235-238
(2) دلائل الإعجاز:83
(3) ينظر من بلاغة القرآن:112، وعلم المعاني:148-149، وأبن القيم وحسه البلاغي في تفسير القرآن:98