الصفحة 53 من 226

من أولى الظواهر الأسلوبية التي نرصدها في هذا المبحث ، ظاهرة التقديم والتأخير الذي يُعدّ خصيصة من خصائص الجملة العربية ، إذ يمثل خرقًا أوإنحرافًا عن النمط المألوف لتركيبها. وهو من المباحث التي حظيت بأهتمام النحويين والبلاغيين على حدٍ سواء مع بعض الأختلاف في زاوية نظر كل منهما ، فيدرسه النحويون لتعيين الثوابت والمتغيرات في الجملة ، أما البلاغيون والأسلوبيون فَهدفهُم من دراستهِ الكشف عن دلالاته في الجملة وتعيين الأبعاد الجمالية للنص ، يقول الجرجاني: (( هو بابٌ كثير الفوائد ، جم المحاسن ، واسع التصرف، بعيد الغاية لايزال يفتر لك عن بديعة و يفضي بك الى لطيفة، ولاتزال ترى شعرًا يروقك مسمعه و يلطف لديك موقعه ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك أن قدم فيه شيء وحول اللفظ من مكانٍ الى مكان ) ) (1) .

ومن هنا نستدل على أن تغير التركيب في الجملة ذو أثر كبير على الدلالة، إذ (( إن أي تغيير في النظام التركيبي للجملة يترتب عليه بالضرورة تغير الدلالة و إنتقالهامن مستوى الى مستوى أخر ) ) (2) ، وخلق دلالة جديدة من شأنه أن يكسب النص روحًا جديدة و تصويرًا فنيا ًوإبداعًا متميزًا يترك وقعًا في نفس المتلقي .

لذا فقد عمد المبدعون الى إستخدامهِ في نتاجاتهم ليبرزوا قدراتهم اللغوية وطاقاتهم الإبداعية فقد (( أتوا بهِ دلالة على تمكنهم من الفصاحة وملكتهم في الكلام وإنقياده لهم ، وله في القلوب أحسن موقع وأعذب مذاق ) ) (3) .

(1) دلائل الإعجاز:83

(2) البلاغة والأسلوبية:250،وينظر إعجاز القرآن في دراسة كاشفة لخصائص البلاغة العربية:203

(3) البرهان في علوم القرآن:3/233

الفصل الأول ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت