وقد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض إخوانه من الأنبياء، وتلبيتهم بالحج والعمرة. ففي صحيح مسلم عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّ بوادي الأزرق"فقال لأصحابه:"أي واد هذا؟"قالوا: هذا وادي الأزرق. قال:"كأني أنظر إلى موسى عليه السلام هابطًا من الثنية، وله جؤار إلى الله تعالى بالتلبية". ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - على ثنية يقال لها: ثنية هَرشى فقال:"أي ثنية هذه؟"قالوا:"هذه هَرشى"قال:"كأني أنظر إلى يونس بن متى عليه السلام على ناقة حمراء جعدة - يعني مجمعة الخلق شديدة -، عليه جبة من صوف، خطام ناقته خُلبة - يعني من الليف- وهو يلبي" (1) . فذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - تلبية موسى، وتلبية يونس بن متّى، وغيرهم من أنبياء الله، ورسله عليهم الصلاة والسلام."
نَحُجُّ لِبَيْتٍ حَجَّهُ الرُّسْلُ قَبْلَنا
لِنَشْهَدَ نَفْعًا بِالْكِتابِ وُعِدْناهُ
المبحث الرابع
من آداب الحج
الحج عبادة زُيِّنت بمحاسن وآداب، فقد قال تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [البقرة:197] .و الرفث يطلق على الجماع، ويطلق على الفحش من القول والفعل، والفسوق هي المعاصي كلها، أما الجدال فهو المخاصمة بالباطل، أو المخاصمة فيما لا فائدة فيه، أما المخاصمة فيما فيه فائدة من العلم أو الخير، فإنه لا يدخل في ذلك.
وإذا كان الحج ارتفاعًا عن شهوات الحياة الدنيا ومادياتها، وتدريبًا للعبد على التخفف منها، والاكتفاء باليسير، فلا يليق بالمتلبس بهذه العبادة أن ينشغل عنها بما نهى الله تعالى عنه من أمور النساء قولًا أو فعلًا.
(1) أخرجه مسلم (166) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.