ولا والله ما يكلمني بكلمة ، حتى إذا أناخ البعير تنحي عني ، فإذا نزلت جاء إلي البعير فقيدة بالشجرة ،وتنحي إلي فيء شجرة ، حتى إذا كان الرواح حدج البعير فقربه وولي عني ،فإذا ركبت اخذ برأسه فلم يلتفت وراءه حتى انزل ، فلم يزل كذلك حتى قدمنا إلي المدينة ، فجزاه الله من صاحب خيرا ،فدخلت علي أم سلمة وأنا منتقبة ، فما عرفتني حتى انتسبت وكشفت النقاب ، فالتزمتني ،وقالت: هاجرت إلي الله عز وجل والي رسوله صلى الله عليه و سلم ؟قلت: نعم ،وأنا أخاف أن يردني كما رد أبي جندل وأبا بصير، وحال الرجال ليس كحال النساء ، والقوم قد طالت غيبتي اليوم عنهم خمسة أيام منذ فارقتهم ،وهم يتحينون قدر ما كنت أغيب ثم يطلبونني ، فان لم يجدوني رحلوا ، فدخل رسول الله صلى الله عليه و سلم علي أم سلمة ، فأخبرته خبري ، فرحب بي ، فقلت: اني فررت اليك بديني فامنعني ، ولا تردني أليهم يفتنوني ويعذبوني، ولا صبر لي علي العذاب ، إنما أنا امرأة ، وضعف النساء إلي ما تعرف ، وقد رايتك رددت رجلين ،فقال صلى الله عليه و سلم: إن الله عز وجل قد نقض العهد في النساء ، وحكم في ذلك بحكم رضوه كلهم" [1] ."
نبتة خضراء:
إنها فتاة شابة ، أثرت الإسلام وصحبة الرسول الكريم علي الأب وإلام والإخوة ، وهي ابنة من ؟ابنة احد فوارس حلبة الشرك (عقبة بن أبي معيط ) ،فقد كانت كالنبتة الخضراء في الأرض القاحلة ، ولقد جسدت هجرتها كل المعاني الإيثار والصبر والوفاء لنصرة هذا الدين ، أسلمت بمكة ، وبايعت قبل الهجرة ، وكانت هجرتها في هدنة الحديبية .
تدبير وتخطيط:
هذه الشابة الذكية الراسخة الإيمان ، كانت تخرج إلي بادية لأهلها ، فتقيم بها ، فما ينكر أهلها ذلك ، ففكرت بذكاء ، وخططت بنور الإسلام ، لقد حانت فرصة الخلاص والاعتناق .
شجاعة وفراسة:
(1) ابن الجوزي ، صفة الصفوة (2/30)