الصفحة 9 من 24

إنَّ هذه المعرفة بهذا المعنى لا تنسحب فقط على ما يسمى بالعلوم الصرفية والتطبيقية في التعامل مع الوجود، وإنما تمتد بالضرورة إلى ما يعرف بدائرة العلوم الإنسانية، بل إنها في هذه أشد ضرورة لأنها المعنية بترتيب وضع الإنسان في العالم وتنظيم حياته بما يجعله قديرًا على تحقيق مهمته في العالم، ومن ثم تغدو هذه العلوم التي تعالج الإنسان فردًا كعلم النفس مثلًا وتلك التي تعالج في جماعة كعلم الاجتماع والتاريخ، أو تلك التي تستهدف دراسة وتنظيم مؤسساته العامة كعلم الإدارة، أو ضبط نشاطه المعاشي كعلم الاقتصاد أو تنسيق علاقاته العامة كالعلوم السياسية، أو حماية حقوقه وتنظيم واجباته كالقوانين أو التشريعات، أو متابعة رؤيته الجمالية ونشاطه التعبيري كالأدب والفنون [1] .

تغدو هذه العلوم جميعًا في حاجة إلى أنْ تتشكل هي الأخرى في دائرة الأسلمة، وأن تستمد مناهجها وطرائق عملها، بل أن تبنى مفرداتها من نسيج المعطيات الدينية التي حددها كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ونماها النشاط الفقهي بمرور الزمن عن طريق استجابته للتحديات ومتابعة التغيرات الزمانية والمكانية وذلك من أجل أن تصبح الحياة البشرية بمختلف مناشطها وصيغها إسلامية التوجه إسلامية الممارسة، وبذلك يتم تجاوز كل ما من شأنه أن يقود إلى الثنائية أو إلى الازدواج بين التوجيه الإلهي ذي العلم المطلق وبين اجتهادات الإنسان النسبية [2] .

(1) إسلامية المعرفة، ص 16.

(2) المرجع السابق، ص 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت