فإذا كان الله تعالى هو الذي خلق الإنسان ونفخ فيه من روحه ومنحه قدراته العقلية والحسية والجسدية، وهو الذي خلق الكون والحياة وبث فيهما الظواهر والموجودات والحيوانات والأشياء ومنحهما السنن والقواميس التي تنظم أمورهما وأودعهما القوى والطاقات وهو الذي سخر هذا كله للإنسان، وهو الذي طالبه في كتبه المنزلة أن يتحرك لمتابعة الظواهر والكشف عن السنن والإفادة من الطاقات لإعمار حياته في هذا العالم وجعلها تليق بمستواه كإنسان حملته الإرادة الإلهية في البر والبحر وفضلته على سائر الخلائق ومنحته السيادة على العالمين. إذا تذكرنا أن الله جل في علاه، مبدع الكون الكبير والمهيمن على أسراره ونواميسه وطاقاته الهائلة، إذا تذكرنا هذا كله وتذكرنا معه لحظة انطلاق آدم - عليه السلام - إلى العالم وقد علم الأسماء كلها لكي يمارس مهمته فيه؛ عرفنا أن تعامل الإنسان مع الوجود من حوله كشفًا وتنقيبًا وتعلمًا وتعليمًا ونشرًا وتوصيلًا، أي نشاطه المعرفي عمومًا؛ لابد أن يتشكل إطاره الإيماني الصحيح لكي ينسجم مع الناموس.
إنَّ قطبيْ التعامل: الإنسان والكون، هما من صنع الله الذي أتقن كل شيء فمن الطبعي أنْ تتشكل مفردات هذا التعامل من منظور الإيمان بالله خالق الكون والإنسان والحياة.