ولما كان الكتاب المسطور والكتاب المنظور هما من عند إله واحد قد أحكم الصنعة وأتقن كل شيء لزم من ذلك تطابق كل من الكتاب المنظور والكتاب المسطور، ولكن لما بدلت أوروبا كتاب ربها وكلماته ولم تلتزم ذلك المنهج السماوي حدث الخلل بين رجالات العلم ورجالات الكنيسة، وكان التقدم العلمي الذي شهدته أوروبا في القرون الأخيرة مشكلة للديانة المسيحية كما هو معروف، حتى أصبحا جانبين متخاصمين، فأصبح نجاح أيهما هزيمة للآخر، رضي أم أبى وافق أم خالف، وأصبحت وسائل العلم قائمة على المشاهدة والتجربة ومعطيات الحواس هي وسائل التثبت المعترف بها لدى أهل العصر وانحسرت الوسائل الأخرى كالسلطة الدينية أو المزدوجة بين سلطة دينية ووسائل أخرى، عقليه أو حسية، وكانت للمحسوسة في مجال الصناعة والاختراع دفعتها القوية في قبول مقولات العلم وقضاياه ووسائل بحثه.
وأدَّى ذلك بالناس إلى السعي للانتساب إلى العلم والعلمية في دعاويهم ومناهجهم وعانت القضايا الإيمانية التي لا تعتمد ـ كما يعتقد أهلها ـ على المشاهدة والتجربة واستغلال الحواس. وكانت هذه القرون هي قرون التمدد الأوربي وزمان طغيانه وعدوانه، فحمل جنوده انتصار العلم على الكنيسة في بلادهم ليؤكدوا به انتصارهم على المستضعفين أينما كانوا وحيثما كانت معتقداتهم، فأصبح الخلاف الذي كان بين العلم والكنيسة عن الحياة العقلية والفكرية وعن مجالات الحكم والسلطان والاختراع والاستبصار في ملكوت السماوات والأرض هو ابتعاد للدين. لا يهم أنِّ أهل الإسلام لا يقبلون دعاوى الكنيسة أم لا، ولا يهم إنْ كان رسول الإسلام قد جاء يدعو أهل الكتاب ـ فيمن يدعو ـ للتخلي عن التشوهات والكفر والإشراك واستعباد الناس باسم الله، لا يهم كل ذلك ولا أكثر منه فهو في النهاية دين وقد انتصر العلم على الدين [1] .
ثانيًا: فضل العلم:
وقد دلَّ على فضل العلم: الكتاب، والسُّنَّة، والمعقول.
(1) العلم والإيمان، ص11.