إنَّ اليابان والصين مثلًا إذا قدرتا على تجاوز المرور في هذه القناة الضيقة، خرجتا من معركة التحدي وهما أكثر قوة وتملكان في عالمنا المعاصر ثقلهما وحضورهما وتميُّزهما الملحوظ [1] ، وما ذلك إلاَّ لأنَّ الكون يخدم الإنسان مجانًا إذا فهم الإنسان كيف يوجه الأوامر إلى الكون، وتزداد قدرة الإنسان على تسخير الكون كلما زاد فهم الإنسان لكيفية توجيه الأوامر إلى الكون، وتوجيه الأوامر هو: معرفة السنن ـ ودليل هذا أنَّ إنتاج الأرض والحيوان والنبات والحديد ـ كل هذا يزداد إذا فهم الإنسان سننه، أي تزداد طاعة الكون له، وكأنَّ هذا الكون خلقه الله خادمًا مطيعًا للإنسان، ولكن شرط الله على الكون ألا يطيع الإنسان إلاَّ إذا دعاه عن طريق معين، فإذا دعاه من غير هذا الطريق فلا يستجيب الكون ويظل معرضًا صامتًا أمام الإنسان.
إنَّ الذي لا يعرف كيف يحرك الكون هو إنسان جاهل للنداء الذي يستجيب الكون على نغمته، وهذا النداء هو كشف السنن واستخدامها، وهو تفاعل مع النداء الإلهي الذي يدعو إلى الاستفادة مما خلق الله تعالى لتسخيره لنا، لقوله عزَّ وجلَّ [2] .
فإنَّ القفل كما يستعصي أنْ يفتح بغير مفتاحه، كذلك الكون لا يستجيب إلاَّ بعد سماعه كلمة السر. وكذا السيارة مهما كانت مستعدة للحركة فإنها لا تتحرك مع من لا يعرف فن قيادتها، بل كل الآلات لا تتحرك للإنسان الذي يجهل كيف يحركها [3] .
فالتسخير يزداد بازدياد العلم، وهو يأتي نتيجة للعلم بسنن الله في خلقه، فالعلم والتسخير والسُّنَّة (القانون) كلها أمور مرتبطة بعضها ببعض، فالسُّنَّة قانون الله، والعلم هو معرفة هذه السنن، والتسخير نتيجة هذه المعرفة.
(1) مدخل إلى إسلامية المعرفة، عماد الدين خليل، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط/2، 1412هـ، 1991م، ص 19.
(2) سورة الجاثية، الآية (13) .
(3) العمل قدرة وإرادة، جودت سعيد، دمشق، ط/2، 1404هـ، 1984م، ص 56.