أمَّا معقول اللفظ ( القياس ) : فإنَّه لَيْس كذلك ؛ وإنَّمَا هو راجِع إلى تَحَقُّق عِلَّة الأصل في الفرع الذي قَدْ يَسْتَجِدّ في أزمان متفاوتة .
ولِذَا فقَدْ أَحْسَن الغزالي ـ رحمه الله تعالى ـ صنعًا حِينَمَا جَعَلَه قِسْمًا مُسْتَقِلاًّ ؛ لأنّ مَعْنَاه لا يُفْهَم إلا بالعقل المُدَعَّم بالنَّصّ ، فالفرع في القياس فلَيْس فيه حُكْم ، ولا علاقة له بمنطوق الأصل ، لكنَّا نُثْبِت له حُكْمَ الأصل عند تَحَقُّق عِلَّته .
أمَّا المفهوم: فإنّ حُكْمَه مُرْتَبِط بالمنطوق ، ولِذَا كان اللفظ دالاًّ عليه ، ولَيْس كذلك منطوق أصْل القياس ؛ فإنَّمَا هو دالّ على حُكْم الأصل ، ولا نَنقله إلى الفرع إلا إنْ تَيَقَّنَّا تَحَقُّق عِلَّة الأصل في الفرع .
5-أنّ تقسيم حُجَّة الإسلام الغزالي ـ رحمه الله تعالى ـ وإنْ كان له وجاهته إلا أنّي أُرَجِّح ما عليه الكثرة مِن تقسيم دلالة اللفظ أو الخِطَاب على الحُكْم إلى قِسْمَيْن:
القِسْم الأول: ما يَدُلّ عليه بِلَفْظِه ومنظومه ، وهو المنطوق .
والقِسْم الثاني: ما يَدُلّ عليه بفحواه ومفهومه ، وهو المفهوم .
وإنْ كُنْتُ أَخْتَلِف مع البَعْض فيما يُعَدّ مفهومًا كَمَا سيأتي تفصيله ـ بإذْن الله تعالى ـ في أقسام المفهوم .
المطلب الرابع
مقارَنة دلالة الألفاظ على الأحكام عند الحنفيّة وغَيْرهم
بَعْد الوقوف على أقسام دلالة اللفظ على الحُكْم عند الحنفيّة وعند غَيْر الحنفيّة فإنَّا نَرَى أنَّهُمَا يلتقيان في دلالة واحدة ، وهي: عبارة النَّصّ ..
فالحُكْم مستفاد منها عند الحنفيّة مباشَرةً ؛ لأنّ النَّصّ سيق لأجْله وأريد به قصدًا ، ولِذَا فإنَّهَا تَدُلّ على الحُكْم بِنَفْس العبارة .
وهذا مُتَحَقِّق عند غَيْر الحنفيّة في المنطوق ؛ فإنَّه يَدُلّ على الحُكْم بصيغته ومنظومه .