ولقد عمد السيوطي إلى إبهام ذكر المصادر التي ولَّد منها حِكَمَهُ، واكتفى بالقول إنَّه ولَّدها من"الأخبار السُّنيَّة، والآثار السَّنيَّة (1) ، وهما مصطلحان يحيل أولهما وهو خاص إلى أخبار النبي صلى الله عليه وسلم المنبثقة من سيرته العطرة، ويحيل ثانيهما وهو عام إلى الآثار العظيمة الخاصة بالأعلام وأخبارهم وأقوالهم وأفعالهم وسلوكياتهم التي تعدُّ أنموذجًا يحتذى، إذ تتضمَّن حكمًا بالغةً، وأساليبَ حياة يتأسَّى بها الناس."
ويكشف المصطلح الثاني عن مصادر متعددة لا حصر لها، وتمثِّل نافذة واسعة أطل منها السيوطي على ألوان مختلفة من الثقافة العربية، وأمَّات المصادر الأدبية والتاريخية، فهو كان قد أقبل عليها، وتدبَّر ما قاله الآخرون، وتصفح نتائج عقولهم، وتجاربهم وحكمهم، وولَّد من معانيها حكمًا لم تكن من كلام العرب مما مضى.
وثمَّة مصدر ثالث أشار إليه السيوطي في مقدمة مقاماته هو"الكلم النوابغ"للزمخشري، الذي بلغ مكانة أدبية رفيعة بين الأدباء، بحيث أصبح أنموذجًا أدبيًا يحتذى، مما دفع السيوطي إلى أن يؤلِّف على منواله وينسج على أنموذجه، بل يحاول أن يتفوق عليه (2) .
ومهما يكن من أمر، فإن استنطاق نصوص حكم السيوطي تكشف عن مصادر متعددة وروافد ثقافية مختلفة، وينابيع متنوعة تنوُّع المعارف والعلوم والفنون التي رَزق الله السيوطيَّ التَّبحُّرَ فيها (3) ، غير أن السيوطي لم يولِّد هذه الحكم باعتماد ثقافته التراثية الموسوعية فحسب، بل استقى مادتها من مجريات الحياة، ووقائع العصر، ووقوفه عليها وتفاعله معها، وأثراها بمعاني السابقين وصاغها بلغته وصوره وأساليبه؛ أي أنَّه جمع بين الرافد الثقافي، والواقع الحياتي المعيش، والرؤية الذاتية للأمور، والموهبة الأَدبيَّة الفذّة.