وتعدُّ"دُرَرُ الكَلِم وَغُرَرُ الحِكَمِ"من مؤلفات السيوطي القصار، التي أوردها ضمن القسم الرابع من مصنفاته من حيث الطول، وهو"ما كان كُرَّاسًا ونحوه" (1) . وقد جاء هذا الكُرَّاس قطعة نثرية دبَّجها في نسق فني جميل، تجزأت في ثلاثة أقسام مختلفة، هي البداية أو الصدر، والمتن، ثم النهاية أو الختام. وهو بناء أو نسق شبيه بالرسالة الأدبيّة ذلك أنها اتَّخذت شكلًا فنيًا جديدًا يختلف في بعض جزيئاته عما ألفناه في الرسائل التي توجَّه إلى طرف ما (2) ، فالسيوطي لم يوجِّه الخطاب فيه إلى طرف آخر محدد، وإنمَّا قدّمه إلى متلقٍّ ضمنيٍّ، إلى الأمة التي يجب أن تفيد من الحكمة في معاشها ومعادها. وقد بدأ بالبسملة والتحميد والصلاة على الرسول الكريم، ثم باستهلال اتّسم بالإيجاز والاختصار الشديد والبراعة حدَّد فيه المكونات الأساسية للمصنَّف (3) ، حيث يقول:"نحمدك اللَّهُمَّ على جُودِكَ الشَّامِلِ للوجود، ونصلِّي على نبيِكَ سيِّدِنَا محمدٍ المحمودِ، ونُثْني عليك لما ألهمتَ من دُرَرِِ الكَلِم وغُرَرِ الحِكَم، الناطقةِ بمواعظَ كالسيفِ الباترِ، الفائقةِ لواقطَ المزنِ الهامر..." (4) .
ثم انتقل إلى المتن حيث سرد الحِكَم، وهو الموضوع الذي أُنشئ من أجله هذا المصنَّف، من دون أن يتخلَّص من المقدمة إلى المتن بأساليب التخلص المعروفة في الرسائل (5) .
ولم يشأ السيوطي لِحِكَمِهِ التبويب أو التَّقسيم والتنظيم؛ إذ يحتوي مصنفه على حكم شتى متجاورة، وقد ختمه بالحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر سنة التأليف ومكانه.