والأسر التي تهتم فيها المرأة بقضايا انصرافية أكثر من اهتمامها بالقضايا الأسرية الجوهرية، إنما يكون مرد ذلك في الغالب لاختلاف فلسفة كل من الزوجين في الحياة، خاصة أننا نعيش في عصر أصبحت المؤثرات الخارجية والبيئية تمثل تيارًا جارفًا يمكن أن يؤثر بسهولة وعفوية على فلسفة أي من الزوجين، ويجعلها تتبدل وتتغير من وقت لآخر، مما يترتب عليه المزيد من الهروب الانصرافي من جانب الزوجين، خاصة الزوجة، وهذا بلا شك سوف ينعكس سلبًا على البيت والأطفال.
وكما هو معروف، فإن الإنسان يتميز بأن له طفولة طويلة، وهذا يعني أنه يعتمد على الكبار المحيطين به فترة أطول في إشباع حاجاته.. ويعتمد الوليد في بداية حياته على الأم اعتمادًا كاملًا في توفير الطعام والدفء والراحة وسائر ألوان الرعاية، مما يجعل الأم شخصًا مميزًا وذا مكانة خاصة لديه، ثم تتسع دائرة معارفه ومجال احتكاكه.
فالأم هي التي تصنع اللبنات الأولى في شخصية الطفل، وإذا انصرفت عن الاضطلاع بهذا الدور بإيجابية، فإن هذا الحرمان سوف يؤثر سلبًا على شخصية الطفل، وسوف تظل إمكاناته الإنسانية كامنة، واستعداده معطلًا، وسوف يدخل ذلك الطفل في حالة من الصراعات النفسية الداخلية، يتأتى منها لاحقًا افتقاد الهوية والكينونة والاضطراب في شخصيته وسلوكه.
وقد تعرضت الأسرة مؤخرًا لبعض التطورات التي غيرت من حجمها ووظيفتها، حيث إنها لم تعد تشكل الأسرة الممتدة التي تشمل العمات والخالات والأجداد، كمصادر إضافية للعطف والرعاية للطفل، خاصة في وقت غياب الأم.
ومن التطورات المهمة التي تعرضت لها الأسرة وأثرت في وظائفها، خروج المرأة إلى العمل خارج نطاق الأسرة، وقد ترتب على هذا التطور الاعتماد على الخدم داخل البيوت، وظهور مؤسسات تقوم ببعض ما كانت تقوم به الأم من أعباء تربوية، مثل دور الحضانة.