لم يعلم خلاف بين عامّة الأصوليين في جواز تخصيص العام من الكتاب أو السُّنَّة المتواترة بالمستقلّ المقارن القطعيّ الثُّبوت، بأنْ كان كتابًا أو سُنَّة متواترة، واختلفوا في جواز تخصيص الكتاب أو السُّنَّة المتواترة بأخبار الآحاد [1] :
فقد وقع خلاف بين الأصوليين في جواز تخصيص الكتاب أو السُّنَّة المتواترة بأخبار الآحاد، بعد اتّفاقهم على جواز تخصيص العام من الكتاب أو السُّنَّة المتواترة بالمستقلّ المقارن القطعيّ الثُّبوت، بأنْ كان كتابًا أو سُنَّة متواترة:
فذهب جمهور الحنفيّة إلى أنَّه لا يجوز تخصيص الكتاب أو السُّنَّة المتواترة بأخبار الآحاد، واختاره عيسى بن أبان.
وذهب الجمهور من الأصوليين إلى تخصيص الكتاب أو السُّنَّة المتواترة بأخبار الآحاد، واختاره إمام الحرمين.
ومنهم مَنْ يرى الوقف، وهو مذهب القاضي الباقلانيّ.
ومتعلّق مَنْ يرى المنع هو: أنَّ الكتاب أصله قطعيّ، وخبر الآحاد ظنيّ.
ومتعلّق مَنْ يرى الجواز هو: أنَّ الخبر قطعيّ الحُجِّيَّة، ومقتضى ذلك أنَّه يجب العمل بموجبه ما لم يمنع منه مانع. وقد اتّفق الصَّحابة على العمل بخبر الآحاد في تفسير مجمل الكتاب، وتخصيص ظواهره.
ومتعلّق القاضي الباقلاني هو: أنَّ أصل الخبر يتطرَّق إليه الظُّنون، والعموم في مظنة الظُّنون، فضاهى معنى الكتاب أصل الخبر، ولذلك وجب التَّوقُّف [2] .
والخلاف مبنيٌّ على أساس أنَّ العام قطعيّ وخبر الآحاد ظنيّ، فكيف يترك القطعيّ من أجله؟ هذا على رأي معظم الحنفيّة [3] .
(1) إمام الحرمين: البرهان، 1/285-286، والسبكي: رفع الحاجب عن مختصر بن الحاجب، 3/313 ومابعدها.
(2) إمام الحرمين: البرهان، 1/286.
(3) عبد العلي الأنصاري: فواتح الرحموت، 1/266، وبن السبكي: رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، 3/323.