واختلفوا في نسخ المتواتر بالآحاد [1] : فذهب جمهور العلماء إلى أنَّه لم يقع نسخ الخبر المتواتر بالآحاد. وذهب داود الظَّاهريّ إلى وقوع نسخ للخبر المتواتر بالآحاد.
استدلَّ الجمهور على عدم الوقوع بما يأتي:
[1] أنَّ الخبر المتواتر قطعيّ، والآحاد ظنيّ، والقطعيّ لا ينسخ بالظَّنيّ؛ لأنَّ الظَّنّ أضعف، وحيث انعدمت المساواة فلا نسخ.
[2] أنَّه لا يوجد في الأدلة الشَّرعيّة بالاستقراء خبر متواتر نسخ بخبر الآحاد، وهذا دليل على عدم الوقوع [2] .
واستدلَّ داود الظَّاهريّ على الوقوع بما يأتي:
[1] تواتر أنَّ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - كان يرسل الآحاد إلى البلدان والأطراف، وكانوا يبلغون النَّاسخ والمنسوخ.
[2] وأجاب الجمهور عنه: أنَّه كان يرسلهم فيما يقبل فيه خبر الآحاد، مثل: الفتوى، وتبليغ الأحكام.
[3] التَّوجُّه إلى بيت المقدس في الصَّلاة كان ثابتًا بالتَّواتر، ثُمَّ حدث أنْ كان أهل مسجد قباء يصلون إلى بيت المقدس، فنادى منادي الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -: (ألا إنَّ القبلة قد حُوِّلت) ، فما أنْ سمع أهل قباء ذلك حتَّى توجّهوا إلى الكعبة، ولم ينكر عليهم الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - ذلك [3] .
وأجاب الجمهور عنه: بأنَّ النَّاسخ للتَّوجُّه إلى بيت المقدس الثَّابت بالسُّنَّة هو قوله تعالى: [البقرة: 144] .
وقد عمل المسلمون بخبر المنادي؛ لأنَّ نداءه كان بحضرة النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - على ملأ الأشهاد، فهذه قرينة قاطعة بصدقه، لذلك وجب عليهم المصير إليه [4] .
المسألة الثَّانية: تخصيص العام بخبر الآحاد:
(1) ابن قدامة: روضة الناظر، 1/227 مع شرحها نزهة الخاطر العاطر.
(2) صفي الدين: نهاية الوصول، 6/2330، والإسنوي: نهاية السول، 2/184، وابن السبكي: الإبهاج شرح المنهاج، 2/251.
(3) صفي الدين: نهاية الوصول، 6/2333.
(4) صفي الدين: نهاية الوصول، 6/2335.