الصفحة 22 من 54

ولا شك في أن تدبر هذه المعاني يخفف من ألم المصيبة، ويفتح على العبد أبوابًا من المعرفة بالله - عز وجل - والتسليم له، وكذلك المعرفة بنقص العبد وفقره وذله، والأول يورث كمال الحب لله - عز وجل - ، والثاني يورث تمام الذل له وهما شقا العبادة، كمال الحب مع تمام الذل. كما يقال: العارف يخرج من الدنيا وما قضى وطره من شيئين ثناؤه على ربه - عز وجل - ، وبكاؤه على نفسه.

ويقول ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ:

والمؤمن الحق هو من إذا اشتد به البلاء زاد إيمانًا، فليس المؤمن بالذي يؤدي فرائض العبادات صورة ويتجنب المحظورات فحسب، إنما المؤمن هو الكامل الإيمان، لا يختلج في قلبه اعتراض ولا يساكن نفسه فيما يجرى وسوسه، وكلما اشتد البلاء عليه زاد إيمانه وقوى تسليمه، وقد يدعو فلا يرى للإجابة أثرًا وسره لا يتغير لأنه يعلم أنه مملوك وله مالك يتصرف بمقتضى إرادته فإن احتلج في قلبه اعتراض خرج من مقام العبودية إلى مقام المناظرة كما جرى لإبليس.

والإيمان القوى يظهر أثره عند قوة البلاء، فلم يبق إلا التسليم للمالك والرضا بما قدر.

يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

فإنه سبحانه ـ لا يقضى لعبده المؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له، ساءه ذلك القضاء أو سرَّه، فقضاؤه لعبده المؤمن عطاء خيرًا له، ساءه ذلك القضاء أو سره، فقضاؤه لعبده المؤمن عطاء وإن كان في صورة المنع، ونعمة وإن كانت في صورة محنه وبلاؤه عافيه وإن كان في صورة بليه، ولكن لجهل العبد وظلمه لا يعد العطاء والنعمة والعافية إلا ما التذَّ به في العاجل وكان ملائمًا لطبعه، ولو رزق العبد من المعرفة حظًا وافرًا تعد المنع نعمة، والبلاء رحمة، وتلذذ بالبلاء أكثر من لذته بالعافية وتلذذ بالفقر أكثر من لذته بالغني، وكان في حال القلة أعظم شكرًا من حال الكثرة،

فالراضي هو الذي يعد نعم الله عليه فيما يكرهه أكثر وأعظم من نعمة الله عليه فيما يٌحبه.

ـ كما قال بعض السلف:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت