وأخيرًا: معرفة قيمة وقدر العافية، فإن النعم لا تُعرف أقدارها إلا بعد فقدها، فلا يعرف نعمة إلا من ذاق مرارة ضدها، وبضدها تتميز الأشياء، فيحصل بذلك الشكر الموجب للمزيد من النعم؛ لأن ما وسع الله بالعافية وأنعم: أكثر وأعظم مما ابتلى وأسقم، فلابد أن يلجأ إلى الله في السراء والضراء، ففي الضراء حتى يكشفها عنا وفي السراء تدوم علينا وتزيد، قال تعالى:
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } ( إبراهيم: 7)
وحتى شكر الله فهو نعمة من الله تحتاج منا إلى شكر ليوفقنا الله إليها.
فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلم معاذ بن جبل أن يقول في دبر كل صلاة:
"اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"... ... ... ... (أبو داود والنسائي) .
ويقول الله تعالى ـ حاكيًا عن سليمان - عليه السلام -: { وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} (النمل: 19)
-مَا يُهَوِّنُ عَلَى الْمُبْتَلَى -
(أسباب الصبر على البلاء)
هناك جملة من الأسباب تهون على المبتلى وتخفف عنه ألم المصيبة منها:
1ـ أن يعلم أن القدر جرى بها، وأنها مقدرة في أم الكتاب قبل أن يخلق، فلا بد منها:
فإنه ليس لأحد مفر عن أمر الله وقضائه، ولا محيد له عن حُكمه النافذ وابتلائه.
قال تعالي: { قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } (التوبة: 51)
وقال تعالي: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }
(الحديد: 22)