وأما الضربان الأولان، وهما في الحقيقة فعل أو ترك لما سكت الشارع عن فعله أو تركه؛ فمن أين يعلم مخالفتهما لقصد الشارع، أو أنهما مما يخالف المشروع وهما لم يتواردا مع المشروع على محل واحد، بل هما في المعنى كالمصالح المرسلة، والبدع إنما أحدثت لمصالح يدعيها أهلها ويزعمون أنها غير مخالفة لقصد الشارع، ولا لوضع الأعمال، أما القصد فمسلم بالفرض، وأما الفعل فلم يشرع الشارع فعلا نوقض بهذا العمل المحدَث، ولا تركا لشىء فعله هذا المحدِث؛ كترك الصلاة وشرب الخمر، بل حقيقته أنه أمر مسكوت عنه عند الشارع، والمسكوت من الشارع لا يقتضى مخالفة، ولا يُفهم للشارع قصدا معينا دون ضده وخلافه.
فإذا كان كذلك رجعنا إلى النظر في وجوه المصالح فما وجدنا فيه مصلحة قبلناه إعمالا للمصالح المرسلة، وما وجدنا فيه مفسدة تركناه إعمالا للمصالح أيضا، وما لم نجد فيه هذا ولا هذا فهو كسائر المباحات إعمالا للمصالح المرسلة أيضا.
فالحاصل: أن كل محدثة يفرض ذمها تساوي المحدثة المحمودة في المعنى، فما وجه ذم هذه ومدح هذه ولا نص يدل على مدح ولا ذم على الخصوص.
وتقرير الجواب ما ذكره مالك: أن السكوت عن حكم الفعل أو الترك هنا- إذا وجد المعنى المقتضى للفعل أو الترك- إجماعٌ من كل ساكت على: أن لا زائد على ما كان وهو غاية في هذا المعنى.
قال ابن رشد: الوجه في ذلك أنه لم يره مما شرع في الدين يعنى سجود الشكر لا فرضا ولا نفلا إذ لم يأمر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا فعله ولا أجمع المسلمون على اختيار فعله، والشرائع لا تثبت إلا من أحد هذه الوجوه.
قال: واستدلاله على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك ولا المسلمون بعده بأن ذلك لو كان لنقل صحيح؛ إذ لا يصح أن تتوفر دواعي المسلمين على ترك نقل شريعة من شرائع الدين وقد أمروا بالتبليغ.