إذا علم ما تقدم فإنه يتبين لكل منصف عدم مشروعية مس شحمتي الأذنين عند رفع اليدين لتكبيرة الإحرام أو غيرها، بل ذلك بدعة حدثت في القرون المتأخرة لم يعرفها العلماء المتقدمون ولا السلف الماضون، وقد أطبق العلماء المتقدمون على تركها وعدم القول بها فضلا عن العمل بها، وقد استنكره من الحنفية المتأخرين القُهستاني في جامع الرموز كما تقدم نقله عن السعاية،والهروي في شرح النُّقاية،والطحطاوي في حواشيه على مراقي الفلاح ،ونقله عن سكب الأنهر،و عبدالرحمن بن محمد المعروف بشيخ زاده في مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر.
وآخرون جعلوه قولا في المسألة غير معتمد فأخروه، وقدموه بما يشعر بضعفه وأنه غير معتمد بقولهم: وقيل،كما في ملتقى الأبحر وشروحه، وآخرون منهم لم يذكروه أصلا في متونهم؛ وذلك لعدم اعتماده؛ كما تقدم ذلك كله في النقل عن فقهاء الحنفية رحمة الله تعالى عليهم.
فالمسألة من مسائل الإجماع إذ الخلاف المتأخر بعد الإجماع القديم لا اعتبار به، وبخاصة مع مخالفته للنصوص الصحيحة، وإعلان قائله بذلك وأنه لم يقل به أحد من الفقهاء (1) .
وتقرير الإجماع على مثل هذه المسألة كما أشرنا إليه آنفا: أنه لم ينقل هذا القول عن أحد من العلماء المتقدمين، والذي جرى عليه صريح قولهم، وما نقل من عملهم إنما هو المحاذاة دون المس؛ كما إن من نقل الخلاف بين العلماء في حد الرفع وكيفيته لم ينقل أن أحدا من أهل العلم قال بمشروعية مس الأذنين عند الرفع.
(1) الغريب أن عامة متأخري الفقهاء لا يرون الاجتهاد، ولا يقولون به، ولا يزعمونه لأنفسهم بل ولا يكادون يرتضونه لغيرهم، ومع هذا تجد عندهم من الاجتهادات الشيء الكثير، الذي قد يخالفون به من تقدمهم من الفقهاء، وقد يزعمونه تخريجا أو احتياطا أو غير ذلك.