الصفحة 18 من 79

فأنت ترى أن متأخري الحنفية أنفسهم اختلفوا في المماسة، وكأنهم ترددوا بين متابعة أسلافهم في عدم ذكرهم لهذه الصفة وبالتالي عدم مشروعيتها، وبين ما ذكره قاضي خان ومن تابعه، فمنهم من حمل كلام المتقدم على كلام المتأخر فقال مراد المتقدمين بالمحاذاة: مس الشحمتين؛ لأنه من تمام المحاذاة، ومنهم من عكس؛ فحمل كلام المتأخر على كلام المتقدمين، فقال: مراد المتأخرين بالمماسة: القرب التام؛ ليوفق بين القولين؛ فلذا قال: وبه يتحد الكلام.

وبهذا تعلم أن ما ذكره بعض متأخري الحنفية غير موافق للأدلة الشرعية؛ كما إنه غير موافق لنص متقدمي فقهائهم رحمهم الله تعالى، كما إنه ليس أمرا متفقا عليه بين متأخريهم، وتقدم ما قاله في مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر - كما تقدم النقل عنه-: وقيل قائله صاحب الوقاية، ماسا بإبهاميه شحمتي أذنيه؛ كما في الخانية، وتعليل صاحب النقاية: ليتيقن محاذاة يديه لأذنيه ليس بشيء . تدبر. اهـ (1) فهو يضعف هذا القول جدًا، ويراه غير معتبر أصلا.

وفي تعليل المس قول غريب جدا ذكره عبدالغني النابلسي حيث قال في نهاية المراد (2) على قول المتن (ويحاذي بإبهاميه شحمتي أذنيه) : وفي شرح الدرر يرفع حتى يحاذي بإبهاميه شحمتي أذنيه،وقال قاضيخان: ويمس طرفي إبهاميه شحمتي أذنيه، وقال والدي-رحمه الله تعالى-:ولعل المس إشارة إلى ما ذكره في القنية من أن الأولى إخراج يديه من كميه حينئذ، ثم شحمة الأذن ما لان منها، وهو موضع القرط. انتهى، وربما يقال:إن المس لتحقق المحاذاة المطلوبة،وكان في حفظي من بعض الكتب أن في ذلك المس تحريكا لحلقة العبودية التي في أذن كل عبد؛ فكأن شحمة الأذن هي تلك الحلقة تذكر العبودية لله تعالى.اهـ

(1) مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر ص92.

(2) نهاية المراد في شرح هدية ابن العماد ص479.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت