ولهذا كان من أصول أهل السنة في باب الإيمان، أن الإيمان يزيد وينقص، كما نص على ذلك الأئمة في الآثار المتقدمة. ويقول شيخ الإسلام مقررًا هذا عنهم: (والمأثور عن الصحابة وأئمة التابعين وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث المنسوب إلى أهل السنة: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية) [1] . كما أن من مذهب أهل السنة في باب الإيمان جواز الاستثناء فيه. وأن الرجل منهم إذا ما سئل أمؤمن أنت؟ قال: مؤمن إن شاء الله. وهذا احتراز منهم من التزكية،ودعوى استكمال الإيمان لا الشك في أصل الإيمان. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-:(وأما مذهب السلف أصحاب الحديث، كابن مسعود وأصحابه، والثوري، وابن عيينة، وأكثر علماء الكوفة، ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن علماء أهل البصرة، وأحمد بن حنبل، وغيره من أئمة أهل السنة، فكانوا يستثنون في الإيمان وهذا متواتر عنهم.
لكن ليس في هؤلاء من قال: أنا أستثني لأجل الموافاة، وأن الإيمان هو اسم لما يوافى به العبد ربه، بل صرح أئمة هؤلاء بأن الاستثناء إنما هو لأن الإيمان يتضمن فعل الواجبات فلا يشهدون لأنفسهم بذلك، كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى) [2] .
فهذا مجمل معتقد أهل السنة في الإيمان وما يتفرع عنه من مسائل.
عمدة قول المرجئة في الإيمان: هو إخراج الأعمال عن مسمى الإيمان، وأن الإيمان لا يتجزأ ولا يتبعّض، ولا يقبل الزيادة ولا النقصان، بل هو شيء واحد يستوي فيه جميع المؤمنين. فهذا هو أصل مذهبهم الذي أجمعت عليه سائر طوائفهم [3] . ولهذا سموا مرجئة؛ لأنهم أخّروا العمل عن الإيمان، فالإرجاء بمعنى: التأخير [4] . ثم إن المرجئة افترقوا بعد ذلك في حقيقة الإيمان على ثلاثة أقوال:
(1) مجموع الفتاوى 7/505.
(2) مجموع الفتاوى 7/439.
(3) انظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 12/471، 13/38.
(4) انظر: الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي ص: 202.