الثّاني: أنّ المشهور في كلام العرب هو المدح بالعفو عند الوعيد لا الخلف، ولذا قال كعب بن زهير: (والعفو عند رسول الله مأمول) ، ولم يقل: والخلف عند رسول الله مأمول [1] ، وكذلك الله تعالى أثنى على نفسه بالعفو ولم يثنِ بالخلف.
الثّالث: أنّ العرب لا يسمّون العفو عند الوعيد خلفًا، وإنّما يطلقون الخلف على عدم الوفاء بالوعد، وقد تقدم في قول أبي عمرو بن العلا: (إنّ العرب لا تعد الإخلاف في الوعيد خلفًا وذمًّا، وإنّما تعدّ إخلاف الوعد خلفًا وذمًّا) [2] . فبيّن أنّهم لا يسمّون عدم إنفاذ الوعيد خلفًا ولا يذمّون به.
الرّابع: أنّ نفوذ وعيد الله في العصاة جاء مقيّدًا بقيود، وله شروط، ومن هذه الشروط ألاّ يتوب، وألاّ تكون له حسنات تمحو ذنوبه المتوعد عليها، وألاّ يشاء الله أن يغفر له، كما ذكر هذا شيخ الإسلام في كلامه المنقول سابقًا [3] .
وعلى هذا فمَن عفا الله عنه، ولم ينفذ فيه الوعيد لم يستوف شروط الوعيد المطلق، وليس في هذا خلف، وإنّّما يتصور إخلاف الوعيد إذا لم ينفذ الله الوعيد فيمَن استوفى شروطه، وهذا لا يكون أبدًا؛ لأنّ من شرط نفاذ الوعيد أن يشاء الله أن يعذّبه، وأفعال الله كلّها متعلقة بمشيئته، فكيف يتصوّر أن يعفو عمَن شاء أن يعذّبه؟!.
وبهذا يتبيّن أنّ وعيد الله نافذ، وأنّ الله تعالى لا يخلف وعيده كما أنّه لا يخلف وعده، ونفوذ الوعيد لا يتعارض مع نفوذ الوعد؛ لأنّ لكلّ منهما شروطًا لا بدّ من استيفائها.
رابعًا: وسطية أهل السّنة بين الفرق المخالفة في حكم مرتكب الكبيرة والوعد والوعيد
(1) انظر: العواصم والقواصم لابن الوزير 9/46.
(2) تقدم عزوه، في ص: 81.
(3) انظر: ص: 78-79.