وقال ابن الوزير في سياق ذكر الخلاف في إخلاف الوعيد: (والمختار لنا أن نقول: إنّ الله تعالى منَزَّه عن ذلك، ولا يجوز لعلمه السابق عند الوعيد، بالعواقب الحميدة من غيرها، وقدرته سبحانه على ما هو خير منه، لما فيه من نسبة الخلف المذموم، فهو غني عنه بخير منه، ولأن الله تعالى يختار من كلّ شيء حَسَنٍ أَحْسَنَهُ، فهو كما قال: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ، وإنما يقع في كلام الله تعالى التأويل لا الخلف، كالضرب بالضغث في قصة أيوب، وكما صحّ فيمَن مات له ولدان أنّه لا تمسّه النّار إلاّ تحلة القسم) [1] . ويقول الألوسي: (وعدم إخلاف الوعد بالثواب مما لا كلام فيه، وأما عدم إخلاف الوعد بالعقاب ففيه كلام. والحقّ أنّه لا يُخْلَف أيضًا، وعدم تعذيب من يغفر له من العصاة المتوعدين، فليس من إخلاف الوعيد في شيء، لما أنّ الوعيد في حقّهم كان معلّقًا بشرط لم يذكر ترهيبًا وتخويفًا) [2] . وفي الحقيقة إن الاختلاف بين العلماء هنا اختلاف لفظي لا يؤثّر في حكم أهل الوعيد المقرّر عند أهل السّنة؛ فإنّ أصحاب القولين كلّهم متّفقون على أنّ أهل الوعيد تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذّبهم وإن شاء غفر لهم، وإنّما حصل التنازع فيمَن لم يلحقه الوعيد المطلق من المعيّنين، هل يقال اختلف فيه الوعيد أم لا؟ والحقّ إن شاء الله مع أصحاب القول الثّّاني، وأنّ الله لا يخلف وعيده، وأنّ ما توعد به العصاة نافذ فيهم لكن بشروطه التي علقها الله تعالى عليه، وترجيح هذا القول من عدة وجوه:
الأوّل: أنّه لم يرد في النّصوص بحال أنّ الله يخلف وعيده، بل جاء فيها ما يشهد لنفوذ وعيده، وأنّه لا مبدّل لقوله، فنسبة الخلف في الوعيد لله إن لم تدلّ النّصوص على ردّه، فلا أقلّ من أن يقال: إنّ إثباته مفتقر للدّليل والأصل ألا يخبر عن الله بشيء إلاّ بدليل صحيح.
(1) العواصم والقواصم 9/46، 47.
(2) روح المعاني 21/145.