يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما أئمة أهل السّنة والجماعة فعلى إثبات التبعيض في الاسم والحكم، فيكون مع الرّجل بعض الإيمان لا كلّه، ويثبت له حكم أهل الإيمان وثوابهم بحسب ما معه كما يثبت له العقاب بحسب ما عليه) [1] . أما إثبات التبعيض في الاسم فحقيقته أنّ الإيمان يتبعّض فيذهب بعضه ويبقى بعضه، خلافًا لمَن زعم من أهل البدع أنّ الإيمان شيء واحد لا يتجزّأ ولا يتبعّض كما تقدم نقله. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأصلهم أنّ الإيمان يتبعّض فيذهب بعضه ويبقى بعضه، كما في قوله-عليه الصّلاة والسّلام-:(يخرج من النّار مَن كان في قلبه مثقال ذرةٍ من إيمانٍ) ، ولهذا مذهبهم أنّ الإيمان يتفاضل ويتبعّض، هذا مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم) [2] .
وبناء على هذا الأصل نشأ معتقد أهل السّنة في مسمّى مرتكب الكبيرة فيسمّونه مؤمنًا ناقص الإيمان، أو مسلمًا، فلا يسلبون عنه أصل الإيمان ولا يثبتون له مسمّى الإيمان المطلق.
وأما إثبات التبعيض في الحكم فحقيقته أنّه قد يجتمع في الرجل الواحد خصال الخير والشّرّ، فيتبعّض في حقّه الحكم، فيثاب على ما فيه من خصال الخير والطاعة ويعاقب على ما فيه من خصال الشّرّ والمعصية.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وإذا اجتمع في الرّجل الواحد خير وشرّ، وفجور ومعصية، سنة وبدعة، استحقّ من الموالاة بقدر ما فيه من الخير واستحقّ من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشّرّ، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللّصّ الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفي حاجته.
(1) شرح العقيدة الأصفهانية، ص: 235.
(2) مجموع الفتاوى 18/270.