قال: (وقالت الكرامية هو القول فقط فمن تكلم به فهو مؤمن كامل الإيمان، لكن إن كان مقرًا بقلبه كان من أهل الجنّة، وإن كان مكذبًا بقلبه كان منافقًا من أهل النار، وهذا القول هو الذي اختصت به الكرامية وابتدعته، ولم يسبقها أحد إلى هذا القول وهو آخر ما أحدث من الأقوال في الإيمان، وبعض النّاس يحكى عنهم أن من تكلم به بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنّة، وهذا غلط عليهم، بل يقولون: إنّه مؤمن كامل الإيمان وأنّه من أهل النّار، فيلزمهم أن يكون المؤمن الكامل الإيمان معذبًا في النّار بل يكون مخلدًا فيها) [1] . فأفاد قولهم: (مَن تكلّم بالإيمان وأقرّ بقلبه فهو من أهل الجنة) ، دخول أهل الكبائر في ذلك، وأنّهم يقطعون بدخولهم الجنّة ابتداءً؛ فإنّ أهل الكبائر لم يخالفوا بترك القول والاعتقاد الذي هو أصل الإيمان، وإنما خالفوا بارتكاب بعض المحرمات التي لا تتنافى مع إقرار القلب، وأما المنافقون فهم عندهم من أهل النار لتركهم إقرار القلب وإن سمّوهم في الدّنيا مؤمنين . ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض مواطن من كتبه أنّ الكرامية خالفوا أهل السّنة في حكم المنافقين في الاسم دون الحكم. قال ـ رحمه الله ــ: (وقول ابن كرام فيه مخالفة في الاسم دون الحكم، فإنّه وإن سمّى المنافقين مؤمنين يقول أنّهم مخلّدون في النّار، فيخالف الجماعة في الاسم دون الحكم، وأتباع جهم يخالفون في الاسم والحكم جميعًا) [2] . فمقصود شيخ الإسلام بقوله: (خالفوا في الاسم دون الحكم) ، أي: في أمر المنافقين كما هو بيّن من سياق الكلام؛ وذلك أنّ الكرامية لما قالوا إنَّ الإيمان هو القول فقط وأُلزموا بأنّ المنافقين على مذهبهم من أهل الإيمان وأنّهم يكونون في الجنة فبيّن أنّهم وإن سمّوهم مؤمنين إلاّ أنّهم يقولون هم في النّار؛ لأنّهم لم يقرّوا بقلوبهم فكان خلافهم في الاسم دون الحكم.
(1) مجموع الفتاوى 13/56.
(2) مجموع الفتاوى 13/56.