غير أّنه تجدر الإشارة هنا إلى أنّ المعتزلة يعظمون (الوعد والوعيد) ، وهو أحد أصولهم الخمسة التي عليها مدار معتقدهم، وقولهم بتخليد أهل الكبائر في النار يرجع إلى هذا الأصل. ومعتقدهم في الوعد والوعيد، أنّ الله تعالى إذا وعد بعض عباده بالثّواب، وبعض عباده بالعقاب فلا يجوز على الله أن يخلف وعده، فلا يثيب المطيع، ولا يخلف وعيده فلا يعاقب العاصي، وزعموا أنّه إن أخلف وعده أو وعيده فهذا خُلْفٌ وكَذِبٌ ينَزَّه الله عنه. يقول القاضي عبد الجبار: (وأما علوم الوعد والوعيد، فهو: أن الله تعالى وعد المطيعين بالثّواب، وتوعد العصاة بالعقاب، وأنّه يفعل ما وعد به وتوعد عليه لا محالة، ولا يجوز عليه الخُلْفُ والكذب) [1] . ومن هنا يظهر رسوخ عقيدة تخليد أهل الكبائر في النار عند المعتزلة، وأنّ تقريرهم لها ليس لمجرد شبهتهم في الإيمان، وأنّه إذا ذهب بعضه ذهب كلّه، ولا إلى النّظر المجرد في استحقاق أهل الوعيد للعقوبة فحسب، بل إلى ما هو أبعد من ذلك وهو أنّ عقوبة العصاة أمر متحتم لازم لا يجوز على الله تركه وإلاّ أفضى إلى نسبة النقص لربّ العالمين.
أوّلًا: حكم مرتكب الكبيرة عندهم في الدّنيا
(1) شرح الأصول الخمسة، ص: 135، 136.