وبعد أن ذكر الروايات الأخرى، قال:"وجه الدلالة، أن هذا الناذر كان قد نذر أن يذبح نعمًا: إما إبلًا وإما غنمًا، وإما كانت قضيتين في بمكان سماه: بوانة يقال: إنها قريب من ينبع ، مكان قريب معروف في أيامهم، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هل كان فيها كذا أو هل كان فيها كذا؟"
فهذا يدل على أن الذبح في بمكان عيدهم ومحل أوثانهم معصية لله تعالى من وجوه:
الوجه الأول: أنه قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { فأوفِ بنذرك } لماذا هذه الفاء؟
هي تعقبية، وتعني أن الحكم مترتب على ذلك -أي: فتفي بنذرك- فإذا لم يوجد محظور فأوفِ بنذرك، فلو لم يكن كذلك لقال: لا تفِ به.
الوجه الثاني: أنه عقب بقوله: {لا وفاء لنذر في معصية الله } ومعنى ذلك أنه لو كان هناك ما يوجب التحريم لما جاز.
إذًا كأنه قال له: حيث لا يوجد مانع ولا يوجد ما يقتضي التحريم ولا يجعله معصية؛ فأوفِ بنذرك، فدل ذلك على أن هذا معصية لا يوفى بالنذر فيها، أي لو كان مكانه عيدًا من أعياد الجاهلية.
الوجه الثالث: يقول: إنه لو كان الذبح في موضع العيد جائزًا، لسوغ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للناذر الوفاء به، كما سوغ لمن نذرت أن تضرب بالدف؛ أن تضرب به، بل لأوجب الوفاء به، إذا كان الذبح بالمكان المنذور واجب""
فنلاحظ أن وجه الدلالة -هذا- دقيق، وقد يكون واضحاص إن شاء الله.
إذا كان الإنسان لا يجب عليه فعل من الأفعال، ولكن نذر أن يفعله وهو طاعة، فيكون حكمه الوجوب عليه، والنهي عن النذر معروف، لأنه يستخرج به من مال البخيل، لكن لو نذر وجب عليه أن يفي بنذره.
الوجه الرابع: أنه وجب عليه أن يفي بنذره بعد أن انتفت الموانع، فإذا كان الوفاء بالنذر أشد حكمًا، لأن حكمه الوجوب والآخر حكمه الإباحة من الشيء الذي أصله مباح.