من معاني الباء التي ذكرها الجرجاني: أن تكون متضمنًا لمعنى على طريق السبب كقولك بنعمة الله وصلت إلى كذا، وبزيد فعلت كذا المعنى بسبب معونة زيد لي فعلت [34] . وبين ابن عصفور أن الفرق بين باء السبب وباء الاستعانة أن باء السبب لم تدخل على شيء وصل به الفعل إلى المفعول ألا ترى أنك وصلت إلى أخذ الدينار ( في أخذت بزيد دينارًا ) بنفسك من غير واسطة إلا أنك أوقعت ذلك الأخذ بسبب زيد، وباء الاستعانة إنما تدخل على الأدوات لوصل الفعل إلى المفعول.
ولو تأملنا المثال الذي ضربه ابن عصفور: قوله تعالى { فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ } [ 11 - آل عمران] ، وهذه الآية يستشهد بها المالقي [35] ، لوجدنا شيئًا من الاختلاف، حيث نستطيع القول إن زيدًا كان عونًا على أخذ الدينار، ربما لا يكون آله للأخذ ولكنه في الغالب معين، أما الذنوب التي أخذهم الله بها فليست معينة بحال، بل هي السبب والعلة الدافعة للفعل، والسبب أمر أو قضية أو فعل يكون وراء الفعل الذي يجرى من الفاعل، والأشخاص ليسوا من ذلك إلا بتأويل كقولك: أخذته بزيد أي بجريرة وفعلة زيد، وليس بزيد نفسه، وعلى هذا فالباء في أخذت بزيد دينارًا هي للاستعانة. بقي أن نعود إلى تصحيح مفهوم الاستعانة قليلًا وجعله شاملًا للأدوات الحسية وللأشخاص الذين يعينون على الفعل، ولا شك أن نوع ما تدخل عليه الباء يحدد المعنى المقصود فقولي:
(أخذت بيدي دينارًا) اليد أداة حقيقة
(أخذت بزيد دينارًا) زيد أداة مجازًا
ومثال ذلك: هاجم السلطان بجنوده بعض المتمردين. فالهجوم لم يقع بسبب الجنود. ولو أردنا بيان سبب الهجوم لقلنا: هاجم السلطان بجنوده بعض المتمردين بتمردهم أو بإلحاح من الشعب.
ولعل ضابط ذلك ما ينقله المرادي عن ابن مالك أن الباء الدالة على التعليل هي التي تصلح غالبًا في موضعها اللام [36] .