فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 7 من 52

وهذا من تداخل الموقف اللغوي والموقف العقائدي، وهو من المواطن التي يجد فيها بعض اللغويين حرجًا، وربما يجرهم هذا إلى الجور على الموقف اللغوي دون حكمة ظاهرة، ففي مثل هذا الموضع: لِمَ جاز السبب ولَمْ تجز الاستعانة ؟ كلاهما في حق الله مجاز يقتضيه التعبير اللغوي؛ إذ لا مفر منه، وكل الموضوعات مهما بلغت من الجلالة إذا عبر عنها بلغة ما خضعت لشروط اللغة وقواعدها دون أن ينال قداسة الموضوع وجلاله شيء. ففي قوله تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } [ 42 - الأنعام ] واضح معنى الاستعانة أما السببية فليس واضحًا وقول النحويين إن الباء للاستعانة لا تعني ضعف الفاعل ولا هوانه فهي لا تعني سوى جعل مدخول الباء أداة للفعل كما قال المرادي. ويجدر بابن مالك أن يمنع السبب كما منع الاستعانة فإذا لم يجز أن يستعين الله بشيء من خلقه فليس يجوز أن يكون غيره سببًا لأفعاله وإذا كانت الاستعانة صفة من صفات الخلق فله ما يليق به من الاستعانة. ويحسن هنا أن نورد ما نقله السيوطي من قول أبي حيان عن موقف ابن مالك ـ قال: قال أبو حيان: ما ذهب إليه ابن مالك من أن باء الاستعانة مدرجة في باء السببية قول انفرد به، وأصحابنا فرقوا بين باء السببية وباء الاستعانة، فقالوا: باء السببية هي التي تدخل على سبب الفعل نحو: مات زيد بالحب، وبالجوع، وحججت بتوفيق الله، وباء الاستعانة هي التي تدخل على الاسم المتوسط بين الفعل ومفعوله الذي هو آلة نحو: كتبت بالقلم، ونجرت الباب بالقدوم، وبريت القلم بالسكين وخضت الماء برجلي، إذ لا يصح جعل القلم سببًا للكتابة ولا القدوم سببًا للنجارة ولا السكين سببًا للبري، ولا الرجل سببًا للخوض بل السبب غير هذا [33] .

4-السبب والتعليل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت