ونفى ابن عصفور كون هذه الكثرة كثرة توجب القياس وذكر المرادي أن ابن مالك صححه لكثرة شواهده [114] ، وقال بأن تأويل البصريين لما ورد منه فيه تعسف، ثم أشار إلى نقل ابن يعيش موافقة المبرد وابن درستويه للكوفيين [115] . ومن الغريب إصرار البصريين أو بعضهم على جعلها لابتداء الغاية في المكان وحده، إذ الظاهر الجلي أن (من) المرتبطة بـ (إلى) تحدد نقطة بداية مسافة، وتحدد (إلى) نقطة نهاية هذه المسافة بغض الطرف عن طبيعة المسافة سواء أكانت مكانية أم زمانية أم غيرهما على نحو ما جاء في المثال الذي ضربه ابن عصفور: (ضربت من الصغير إلى الكبير) قال: إذا أردت أنك ابتدأت بالضرب من الصغير وانتهيت به إلى الكبير [116] .
ولكن هذه الدلالة الخاصة تنفصم بانفصام هذه العلاقة الثنائية حيث قد تدل (من) بدون (إلى) على معان أخرى، وتدل (إلى) بدون (من) على معان أخرى أيضًا ونحن نعد (إلى) دالة على اتجاه الفعل في مثل: ذهبت إلى البصرة أو أنا ذاهب إلى البصرة.
2-التبعيض
جاء في الكتاب:"وتكون أيضًا للتبعيض، تقول: هذا من الثوبة وهذا منهم، كأنك قلت بعضه" [117] . ويردها المبرد إلى الابتدائية يقول:"وكونها في التبعيض راجع إلى هذا؛ فأنت تقول: أخذت مال زيد، فإذا أردت بعض قلت: أخذت من ماله، فإنما رجعت بها إلى ابتداء الغاية" [118] . وهناك ضروب لـ (من) تدخل تحت معنى التبعيض عند سيبويه من ذلك:
أ)الزائدة للتأكيد، نحو: ما أتاني من أحد. قال سيبويه:"ولو أخرجت (من) كان الكلام حسنًا، ولكنه أكد بمن لأن هذا موضع تبعيض، فأراد أنه لم يأته بعض الرجال والناس" [119] .
ب)المميزة للجنس، مثل: لى ملؤه من عسل.
ج)الواردة مع أفعل التفضيل، مثل: هو أفضل من زيد. قال سيبويه: إنما أراد أن يفضله على بعض ولا يعم. وجعل زيدًا الموضع الذي ارتفع منه أو أسفل منه في قولك: شرّ من زيد [120] .