وانتقد الفراهي البلاغيين الذين ذهبوا مذهب العجم، ولو أَنَّهم"استقصوا كلام العرب واقتفوا آثار المحاسن فيه، وقيدوها بالحدود، ونظموها في ترتيب حتى يصير لهم ميزان ومحك لمعرفة محاسن الكلام، ثم نظروا في براعة القرآن ونظمه المعجز لكانوا أقرب إلى معرفته - أي إعجاز القرآن- ولكنهم لم يأخذوا من العرب ولا من كلامهم فَإنَّهْم أثرت فيهم علوم العجم كما خالطتهم سجاياهم إلا الأولين منهم كالجاحظ فإِنّه لا يبعد عن سنن العرب كبعد صاحب دلائل الإعجاز، ولم يبعد هذا إلا لقلة ممارسته بكلام العرب الخلص. فلو تيسر له ذلك عرف منزلتهم في هذه الصناعة واعترف بفضِلهم على المولدين وقال بقول الجاحظ:"لم أجد في خطب السلف الطيب، والأعراب الأَقحاح ألفاظًا منحولة، ولا معاني مدخولة، ولا طبعًا رديًا، ولا قولًا مستكرهًا، وأكثر ما نجد ذلك في خطب المولدين البلديين المتكلفين ومن أهل الصنعة المتأدبين، وسواء كان ذلك على جهة الارتجال والاقتضاب، أو كان من نتاج التحيز والتفكر". فلما تركوا منهج كلام العرب صار أهم شيء عندهم البديع ومطمح نظرهم التشبيه، وعند الأول أولهما منكر، والثاني غير مهم لذاته" (ص3) . وهذا إسراف في الحكم على بلاغة عبد القاهر الجرجاني التي لم تكن أعجمية كما قال الفراهي، وإنما هي قرآنية، فضلًا عن أَنَّ عبد القاهر لم يكن جاهلًا بكلام العرب نحوًا وأسلوبًا، وهو النحوي الذي ترك كثيرًا من الكتب في بلاغة القرآن، والنحو، والصرف والعروض وغيرها (تنظر كتبه في عبد القاهر الجرجاني- بلاغته ونقده للدكتور أحمد مطلوب ص 25- 47) .