الصفحة 23 من 27

لقد فصَّل الفراهي القول في هذه المسألة، ثم عاد إلى عبد القاهر وقال:"والعجب كل العجب كيف غلب الوهم على صاحب (دلائل الإعجاز) فزعم أَنَّ المتكلم لا يعنيه إلاّ المعنى، ولا هَمَّ له في الألفاظ من جهة جواهرها، وخالف جمهور العلماء" (جمهرة البلاغة ص31) .

وتكلم على الوضاحة من جهة اختيار المعاني، وقال:"إِنَّ العرب كما أَنَّهم اختاروا للمعاني من الألفاظ ما يكون أحسن تصويرًا لها، فكذلك أَنّهم اختاروا لها من المعاني ما يكون أرفقَ لتوضيحها وَرَفْعِ إبهامها" (ص32) . وذكر أمثلة شعرية كثيرة إيضاحًا لهذا الموضوع، وقد أكمل المبحث بالكلام على تصوير الشيء بالتشبيه، والاستعارة، والتمثيل، والمجاز وقال:"إِنّ التَّصوير غير محصور في التشبيه وله طرق كثيرة" (ص39) ثم قال:"إِنَّ المثال والتشبيه، والاستعارة، والمجاز تأتي بما يفصح عن صفة من غير جعل الشيء شيئًا آخر، فلا بُدَّ من مغايرة بين المشبه والمشبه به، وإلاَّ جعلوهما شيئًا واحدًا" (ص40) . وأوضح دلالة التشبيه بقوله:"اعلم أَنَّ الباعث الأول على التشبيه هو حرص الناطق على إظهار ضميره واستعمال قوة النطق بقوة حتى يجعل السامع كأنه قد رأى، وجرّب فتأثر به بما يزيده وضاحة وأثرًا."

والباعث الثاني أن الناطق لا ينطق لمحض الإظهار ولكن ليؤثر في السامع، ويحركه، ويجلب رغبته أو نفرته إلى محض السمع ليعجب نفسه والناس بنطقه بالتصوير العجيب الحسن النادر، ويتوسل بذلك إلى أمور أُخَر من جلب الصيت أو منافع أُخر.

والباعث الثالث أنّه يتوسل بالتشبيه إلى تقرير، أو تحريض من جهتين مختلفتين:

الأولى: أَنَّ المثل أشبه بأَنْ يكون كَمِثْله في أمور أُخَر.

والثانية: أَنّ الأمر العقلي أو الدعوى المجهولة إذا صوّرت محسوسة أسرع الذهن إلى التأثر بها لفطرته بالتأثر للمحسوس وتعوده بذلك كما ترى الناس يقرأون القصص المكذوبة، ويضحكون، ويبكون، ويفرحون، ويحزنون بها مع علمهم بكذبها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت