وتكلم على طريق البلاغة، وقال:"إِنَّ الكلام ليس إلا الإبلاغ، ولا يتم ذلك إلاَّ بمطابقته بالأَصل الأول، وبالذي في خيال المتكلم، وبكونه واضح الدلالة، وصائب الإشارة، وبكونه مُؤثرًا حسب حال المستمع، إِمّا لينا سائغًا أو خشنًا دامغًا" (ص21) وأوضح هذه الوجوه، ثم انتقل إلى طرق التوضيح من جهة استعمال الألفاظ، وقال إِنَّ العرب أطول باعًا في ذلك إذ إِنَّ"لهم ألفاظًا خاصة تحت كل جنس عام أكثر من سائر اللغات، فيصورون الشيء ويمثلونه مُشَخَّصًا بين يديك من غير ضم صفة، وفي ذلك لهم طرق كثيرة:"
الأول: وجود الأسماء الدالة على أنواع جنس واحد.
والثاني: وجود الأفعال...
والثالث: من جهة الاشتقاق للدلالة على التأنيث، والتثنية، وجمع القلة، وعلى الشدة" (ص24) ."
وتكلم على الصوت وقال إِنَّ له"دلالة على بعض المعاني لمناسبة بينهما، وما من لغة إلا وفيه آيات على ذلك، وأما لغة العرب فالدلالة فيها أكثر وأبين من أن ينكره منكر. وأعجب من صاحب (دلائل الأعجاز) كيف غمض عينه عن هذا الأمر، وردّ على العلماء الذين جعلوا للفظ حظًَّا في مزية الكلام من جهة صوته" (ص26) . وكان ابن جني قد عقد"باب تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني"و"باب في إحساس الألفاظ أشباه المعاني" (الخصائص ج2 ص145 وما بعدها) ، وتحدث ضياء الدين بن الأثير عن"قوَّة اللفظ لقوَّة المعنى" (المثل السَّائر ج2 ص60) . ولم ينكر عبد القاهر الجرجاني الألفاظ، ولكنه لا يُرْجِعُ إعجاز القرآن الكريم إليها، يقول:"واعلم أَنا لا نأبى أَنْ تكون مذاقة الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان داخلًا فيما يوجب الفضيلة، وأَنْ تكون مما يؤكد أمر الإعجاز، وإِنما الذي نُنكره ونُفَيِّل رأيَ من يذهب إليه، أَنْ يجعله مُعْجِزًا به وحده، ويجعله الأصل والعمدة، فيخرج إلى ما ذكرنا من الشناعات" (دلائل الإعجاز ص522) .