وأعاد الكلام على خصائص الشعر، وقال إِنَّ"الحركة النفسانية تستولي عليها وتلتمس الخروج من طرق النطق، فإن الإنسان صفته الغالبة هو النطق... فمن أوتي نطقًا ورقة وغناء يخرج منه الشعر والترنم وإن زفَّه الأثر ربما رقص. فالشعر لا يتجرّد عن الوزن والنغمة والرقص، ولكن الوزن يحتمل فيبقى بالكلام، فأما النغمة فلا يحتملها الكلام إلا قليلًا، والرقص أمر على نهاية الإحساس حتى يخرج المرء عن وقاره، والكلام لا يحتمله، فبقي من آثار حركات النفس بالكلام قدر ممكن وترك ما لم يُمكنْ ولم يلتزمه، فإن كمال الشيء ليس مما يصحبه في كل حال. ألا ترى العقل من مقومات الإنسان، ولكن كمال العقل لا يلتزمه، وكذلك البلاغة كمال النطق، ولكنها لا توجد في كل ناطق، فكذلك النغمة لا توجد مع كل شاعر، ولكن مع ذلك لا يوجد الشعر خاليًا عن النغمة كلَّ الخلو، فإِنَّا لا نتصور شاعرًا لا يترنم، والعرب لا تعرف الشعر بغير الإنشاد، والوزن طرف من النغمة" (ص18-19) وانتهى إلى القول:"فمن ظن أَنَّ مكالمة سقراط من جنس الشعر لم يعرف من كُنْهِ الشعر إلاّ المحاكاة، ومن ظن أَنَّ الوزن ليس من الشعر لم يعرف من أَصل حقيقة الشعر إلاّ طرفًا واحدًا وهو الهيجان المفيض إلى النطق". وهذا هو الفرق بين الشعر والنثر البليغ، وصلتهما بالمطبوع والمصنوع وما بينهما من اختلاف. والأصل هو الكلام المطبوع، وأما"المتصنع في أوَّل أمره فهو مخادع، ومنافق، لا روح في كلامه" (ص20) .