الصفحة 18 من 27

وفَرَّق بين الشعر والخطابة، وذكر قول أرسطو وهو أَنَّ الشعر حكاية عن أفعال الناس معاليها ومخازيها، والفراهي لا يفرق بينهما من هذه الجهة؛ لأن الشعر والخطابة شريكان في البلاغة، وأنه لا يفرق بين الشعر وغير الشعر في الوزن والقافية فحسب، بل للشعر أوصاف أخر، كما أن الخطيب ليس كل مَنْ قال:"أما بعد". والفرق بينهما أًنَّ الشاعر يشعر بأمر فيهتاج للقول فيقول، وليس هيجانه للقول إِلاّ لأِنَّه أكثر الناس شعورًا، أي إحساسًا نفسانيًا، وهذا الشعور يعمل فيه فينبه متخيله، ونطقه، وغناءه، فتيقظ فيه هذه القوى، ويدبّ الإحساس في جميع مشاعره، فيفيض منه الكلام.

أما الخطيب فهو ليس بأقلَّ من الشاعر شعورًا، ولكنه فارَقَ الشاعر في أَنَّه غالب على شعوره، فليس حاله كالمصدور، ولكنه قاهر على نفسه ومنغمس في المخاطبين، فهمّه التأثير في غيره، كما أَنَّ الشاعر لا همَّ له إلاَّ الانقياد لقوى تعمل فيه، فالخطيب لا يُفارق الشاعر في الهيجان ولا في قلة الشعور، ولكنه بزيادة صفة عالية استحق هذا الاسم، فالشاعر ملتفت إلى الماضي والخطيب ينظر إلى المستقبل. فالخطيب أرفع منزلة لغرضه الأعلى، وأقوى عقلًا، وأشد قوة، وأذكى نفسًا، كما أن الشاعر أغنى طبعًا، وأرق فطرة، ولذلك وصفت العرب الخطبة بالحكمة والبيان والفصل، ووصفت الشعر بالسحر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت