الصفحة 17 من 27

عرض الفراهي هذا كله ليوضح رأَيه في المحاكاة، ولينتهي إلى الحكم القاطع الذي لَخَّصه بقوله:"وإذا علمت أَنَّ حسن الكلام ليس في محض كونه محاكاةً بل في إِبلاغ المعاني من المتكلم، وإنَّ غايته ليست إطراب السامع بل كونه سفيرًا صادقًا للعقل، وإنَّ التلذّذ بها ليس لكون المحاكاة داخلة في عنصر الإنسان، بل لأن فيه استعمالًا رفع قواه، وأَنْ ليست المحاكاة بل النطق من خصائص الإنسان، وأَنَّ الصدق يلزم المخبر فإن خالطه الكذب أحبطه عن درجته، وأَنَّ سوء المعنى يمحو عنه اسم البلاغة، فإذا علمتَ هذه الأمورَ اتَّضح لك الفرقُ بين مذهب أرسطو ومذهبنا، واتَّضح لك في هذا الرأي من الائتلاف والمناسبة بين أجزائه مع شرف المكان" (ص13) .

فصحة المعنى، وصدق القول، والنظرة الخلقية، والنظرة العقلية هي أساس بلاغة الكلام وليست المحاكاة التي نادى بها أرسطو. أما الكذب الذي في الشعر"فَلَيْسَ إلاَّ لغرض صحة التمثيل، فإنك لا تبلغ الأمر المبهم فتُعطيه شكلًا وتشخصًا، فإنْ أعياك الخبر أعطيت الشكل من قبل خيالك، وليس المراد منه إلا التصوير، وهذا هو المطلوب من الأمثال وحكايات العجماوات، وهو أخو التشبيه"وأما"كَذب المبالغة في التشبيه وغير التشبيه فتعلم أَنَّ الشاعر لا يُخبر إِلاّ عن نفسه"ثم قال:"فإن كان كذب المبالغة غير متجاوز بهذا الحد أي إحساس النفس فهي عين الصدق. كان فمن لم يعلم هذا الأمر لم يفرق بين الإحساس والافتراء، فظن الكذب من أجزاء الشعر، والشعر ليس بناؤه إِلاَّ على الصدق" (ص13) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت