الصفحة 16 من 27

ويذكر أبياتًا لزهير بن أبي سلمى ويستحسنها ثم يقول:"فهذا يبين لك أَنَّ حسن الكلام تابع لحسن المعنى، فلا تسمي الكلام حسنًا إلا بعد أن حسن معناه، ولا تترك للكلام فضيلة إلا صحة الأداء، فإذا أُدّي الكلام من قلب المتكلم أدى حقه، ولكنه مع ذلك غير بليغ إنْ لم يكن المعنى مما يبلغ القلب. وكثر في كلام العرب ذم الفحش، والخنا، والهجر، والبذاءة حتى إذا خلط شعرهم بهذي المساوئ صار ساقطًا. ألا ترى كيف أمر الحجر بقتل ابنه امرئ القيس لقول الشعر، وسَمّاه الناس ضِلِّيلًا؟ وكيف ذموا النابغة لمدحه الملوك. والعرب تحب مدح الشاكر، وذم الساخط، وتأنف عن مدح المُتذلل" (ص11) .

وذكر أَنَّ كلامه هذا ليس بِدْعَا, واستشهد بكلام للجاحظ الذي جعل مدار البلاغة نور العلم وطهارة القلب, ثم يقال:"وهل ينشأ الكلام من غيرهما, ويُهتدى للقول الصائب دونهما؟".. واستشهد ببيت عبيد بن الأبرص:

القائل القَوْلَ الذي مثله ... يمرعُ منه البلدُ الماحلُ

والبيت:

وإِنَّ أحسنَ بيتٍ أنت قائِلُه ... بيتٌ يُقال إِذا أنشدته صدقا

ثم قال:"وهذان الشاعران ذكرا أمرين:"

... الأول: أراد قولًا لا تصلح به أمور الناس فنظر إلى جهة أخلاقية.

والثاني: أراد قولًا يقبله القلب لكونه حقًا ناصعًا فنظر إلى جهة عقلية وأيد رأيه بالقرآن الكريم، فإن الله تعالى سمى كلامه بليغًا؛ لأنه يبلغ القلب حيث قال:"وقُلْ لهم في أنفسهم قَوْلًا بليغًا" (النساء 63) وحيث قال":"فللَّهِ الحُجَّةُ البالغِةُ" (الأنعام 149) فاتضح أَنَّ أبلغ الكلام أبلغه في القلوب وأهداه إلى العقل."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت