والشعر عند الفراهي قسم من أقسام الكلام"والكلام ليس اسمًا للجرس المحض، بل هو شيء مركَّب من المعنى والصوت، والشيء المركب يحكم بحسنه لحاظًا إلى أصل الأمر فيه"أَي أنَّ النظرة يجب أن تكون كلية، وأنْ يُحكم على الكلام مجموعًا، ولا يكون حسنًا إذا اختلَّ جانب من جوانبه أو سقط ركن من أركانه، ويضرب مثلًا فيقول:"إنك لا تصف بالملاحظة وجه أعور أفطس إذا وجت إحدى عينيه مليحة، فكذلك الأمر في حسن الكلام. نعم إنْ شئتَ قلت: إنَّ وزن هذا الشعر أو صوته حسن، ثم نُؤزّر هذا الرأي بأمر أقرب إلى الكلام من جهة الإبلاغ، وهو أن الكلام لا يبلغ قلب العاقل إلا أن يكون معناه شريفًا، ولا اعتبار لتأثُّر الحمقى والأَشرار، فإِنّنا إِنما نُعطي الأشياء أسماءً لحاظًا إلى سلامة الحال، وإلا لزمك أن تسمي الكلام حسنًا وقبيحًا معًا، أو لا تسميه شيئًا. وهذا أمر يتضح لك كل الاتضاح إذا بحثنا عن أسباب بلوغ المعاني القلوب، فترى أَنَّ الألفاظ ربما تُصرف عن قواعدها الصحيحة العامة لأجل المعنى الذي يبلغ نفسه بقوة فيه ويجد الألفاظ حجابًا وثقلًا عليه، كما أن ملكًا جعل نفسه سفيرًا. فالبليغ هو المعنى واللفظ مركبه، فالمعنى أجدر باللحاظ في حسن الكلام. فذلك برهانان ثم نعززهما بثالث، وهو أََنََّّ العرب لم يحمدوا الكلام إلا لحسن معناه، وليس لهم نزوع إلى قول أدى الخبث فإنهم يذمونه ويحتقرونه." (ص10) .