الصفحة 12 من 27

لقد ذهب الفراهي بعيدًا في هذا التصور؛ لأَن العرب لم يأخذوا مفهوم التشبيه والاستعارة من نظرية المحاكاة التي قال بها أرسطو، إِذ هذان الفنان معروفا الأهمية في كلام العرب، ولا سيما التشبيه الذي قال عنه المبرد:"والتشبيه جارٍ كثير في الكلام - أعني كلام العرب- حتى لو قال قائل: هو أكثر كلامهم لم يبعد" (الكامل ج3 ص818- طبعة زكي مبارك) ، وتكلم عليه، وأشار إلى أنواعه، وإلى ما يحسن منه، وما لا يحسن في عدة مواضع من كتابه (ج2 ص740 وغيرها) . ومثل ذلك الاستعارة التي لم يكن مفهومها بعيدًا عن مدارك العرب، بل إن غرابة التَّصور والخيال من محاسن أشعار العرب، ألم يستحسن حسان بن ثابت عبارة ابنه في التشبيه قبل أن يُؤلف العرب في البلاغة، ويطلعوا على كتابي"الشعر"و"الخطابة"لأرسطو، فقد رجع عبد الرحمن إلى أبيه حسان يبكي ويقول:"لسعني طائر"فقال حسان:"صِفْهُ يا بُنيّ"فقال:"كأنه ملتف في بردي حبرة"وكان قد لَسعَهُ زنبور، فقال حسان:"قال ابني الشعر وربِّ الكعبة". أليس في هذا ما يدل على بُعْدِ الخيال والاستعداد لقول الشعر والتصوير؟ فالغلو في التَّصوير مذهب معروف في الشعر العربي القديم، وإن التصوير البعيد ليس غريبًا، وهو ليس كذبًا، وإنْ كان بعضهم يميل إلى عرض الحقيقة كما هي، وقال إِنَّ"أَحْسَنَ الشعر أصدقه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت