الصفحة 11 من 27

ولهذا تَمَسَّكَ أرسطو بالمحاكاة وتعصَّب لها، ورَدَّ كل امرئ رأى خلافه، ولما كان جل أشعار اليونان"للتلذذ والتلهي في محافل المسامرة ونادي اللهو بحكايات مضحكة أو مبكية، لم يجد لمحاسن الأشعار غاية إلا الإطراب فقال: إِن يكن الصدق لا يطرب فينبغي للشاعر أن يزيد أو ينقص. ولم يكن في هذا الرأي بِدْعا في قومه فإنه ظن كما ظنوا فإن اسم الشاعر عندهم (المختلق) الذي يصنع الحكايات والقصص لإطراب السامعين" (ص6) .

ولما رأى البلاغيون العرب أَنَّ أرسطو أَسَّسَ الأمر على مهارة الاختلاق"سبق إلى ظن بعضهم أَنَّ أحسن الشعر أكذبه، وإذ ليس في أشعار العرب من أمر القصة والحكاية إلا التشبيه ظنوا أنّ الغلو في التشبيه من المحاسن. وكما أن المحاكاة صارت عمود الرجاحة عند أرسطو فكذلك صار التمثيل والتشبيه الذي يشابه القصة عندهم قطب البلاغة. ثم أنهم وافقوه في عين هذا الرأي فإنه قال في محاسن الكلام:"إنّ أعلى كمال البليغ أَنْ يكون حاذقًا في استعمال التشبيه"وقال صاحب (أسرار البلاغة) :"كأن جلّ محاسن الكلام إِنْ لم نقل كلها متفرعة عنها أنواع التشبيه وراجعة إليها". وأدَّى هذا القول إلى أن"المتكلفين من المولَّدين عكفوا عليه، فغاب عنهم ما كان للعرب من سِحْرِ الكلام وإِعجازه"ونظروا إلى الاستعارة التي هي مبالغة في التشبيه هذه النظرة"فغلب على ظنهم أَنَّ الحسن أميل إلى الكذب" (ص7) واستدرك الفراهي قائلًا:"وإِنّا لا نُنكر محاسن التشبيه وأنواعه، ولكنا نجعله متفرعاًَ عن أصل غير التشبيه، وأساسه الصدق، خلاف ما سمعت من مذهب أرسطو وأمثاله"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت