الصفحة 10 من 27

وجرّه هذا إلى نقد نظرية المحاكاة التي نادى بها أرسطو، وقال:"فلو قال: إنّ الشعر بل كل كلام ونغم جنسه الأعلى تصوير لكان أقرب، إذ ليس بين المحاكاة والتصوير إلا فرق يسير، ولكنه أبعده عن الصواب خطؤه في غاية الشعر ومادته ومبدئه. وكان مثار خطئه كلام قومه واستعمالهم إياه. ولو بحث عن أمر الشعر على طريق الفلسفة، ونظر فيه من جهة العلل التي ألحَّ على البحث عنها فيما بعد الطبيعة وردّ فيه على الحكماء الأقدمين لم يَخْفَ عليه الصواب بعد الاقتراب ولم يلتبس عليه غاية الشعر" (ص4-5) . وذلك لأَن أرسطو يزعم مرة أنها الأثر والإطراب، ويزعم تارة أخرى أنها القصة، ولعل سبب ذلك أَنَّ"كتابه على الشعر بداية ريعان حكمته" (ص5) ورأى أَن الأَوْلى الصفح عن باطله لولا أَنَّ العلماء المسلمين حينما أَلَّفوا في البلاغة أذعنوا له فيما مَهَّدَه. ولو نظر الرجل في كلام العرب لأصاب الحقَّ، ولكنه"نظر في كلام قومه فبنى فن نقد الشعر حسب ما وجد في أحسن كلامهم"الذي كان الشعر منه قصصًا وحكايات مكذوبة مثل نظم هومروس وسوفاكليس وغيرهما، فأمعن فيها لاستنباط أصول النقد ومناط المحاسن"وهذا هو الطريق فإن المحاسن توجد أولًا، ثم أهل النظر يستخرجون منها الأصول"أي أَنَّ أصول البلاغة والنقد تُستنبط من الكلام الذي يُدرس لا كلام لغة أخرى، وهذا ما جعل أرسطو يستنبط تلك الأصول لأنه رأى غالب صفة الكلام المستحسن عند اليونان قصة وحكاية عن الوقائع، ودفعه إلى ذلك أمران:

الأول: أَنّ الإنسان حاكية بالطبع أكثر من سائر الحيوان، فهذه الصفة أنسب بطبعه، وأحبها إليه.

الثاني: أَنَّ العلم مرغوب بالطبع، وحكاية الشيء تُخبر عن المحكي عنه، فلذلك هي محبوبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت