كان من اثر الأفغاني على عبده اتجاه الأخير نحو الإصلاح ، فشرع يكتب في صحيفة ( الأهرام ) فصولا متتابعة ، سامية المنزع مشتملة على أصول الدعوة الإصلاحية التي صرف حياته في سبيلها ، فاسترعت تلك الفصول نظر الناس إلى ذلك المصلح الشاب الذي كان يدعو إلى النهضة بخبرة الشيوخ الكبار من المصلحين ، وكان فيها عاقلا جريئا ، فوصل صدى تلك المقالات إلى إسماع الجامدين من الشيوخ ، والتقى فيها بحديث ملازمة كاتبها للسيد جمال الدين الأفغاني واشتغاله بالفلسفة وترجيحه لبعض مذاهب المعتزلة ، ونهيه عن التقليد ، ودعوته إلى اشتغاله بالعلوم الحديثة لأنها تتماشى مع روح العصر ومنطق التطور [1] .
ومع ذلك اختلف الشيخ محمد عبده مع أستاذه جمال الدين الأفغاني في كيفية إقامة الشكل الدستوري للحكم في البلاد الإسلامية ، فقد كان عبده يعتقد بعدم استعداد الشعب لحكم نفسه بنفسه ، ويدعوا إلى (( التوسيع التدريجي للطابع التمثيلي لأجهزة الحكم ) )على اختلاف درجاتها مع تأسيس برلمان تمثيلي يتمتع بكل الصلاحيات بوصفه مرحلة ختامية للتطور الدستوري [2] .
كان عبده يرى انه (( من غير المعقول منح الرعية ما ليست مهيأة له ) )كما انه من غير المعقول بدرجة اكثر السعي إلى إيجاد برلمان باللجوء إلى العنف، وقد كتب يقول (( إذا لم يكن الشعب مهيأ للمشاركة في حكم البلاد ، ومهيأ لتصريف شئونه ، فأن المطالبة بذلك ، عن طريق التهديد باستعمال القوة ، لامعنى له ) ) [3] .
(1) ينظر: ليفين ، ز.ك / المصدر السابق ، ص190 .
(2) ( الوقائع المصرية ) صحيفة ، القاهرة ، أبريل 1881 ، مقتبس من المصدر نفسه ، ص192 .
(3) ( المنار ) مجلة ، القاهرة ، العدد (87) أغسطس 1958 ، ص37 .